العيد

عندما كنت صغيراً كنت أنظر إلى الكبار نظرة حسد، فهم يقضون أوقاتاً أطيب في المناسبات وخاصة في الأعياد، وعندما صرت كبيراً أصبحت أشتهي أن أكون صغيراً فالأعياد وجدت ليحتفل بها الصغار بطريقتهم البريئة تلك والتي بدونها لا يمكن تذوق متعة العيد.
العيد يقترب،
هناك مسافة طويلة يجب على الأطفال أن يقطعوها ما بين البيت والفرن. لصناعة كعك العيد نحتاج إلى “الصوج” وهذه لا يقوم رب البيت بشرائها وتخزينها رغم أننا نحتاجها قبيل كل عيد. يجب استعارتها من الفرن والأطفال هم من سيحملها فارغة من الفرن إلى البيت ثم مليئة في الاتجاه المعاكس. وحفلة صناعة الكعك وخبزه في الفرن تدخل في باب الاشتهاء والانتظار والفوضى اللذيذة التي تصاحبها. عندما أحضرت حصتي من “الصوج” فضلت الجلوس على المصطبة العالية ومراقبة النساء المنهمكات بالعجين. عمتي سعاد كانت تتلقف قطعة العجين ثم تبرمها بيديها الاثنتين على لوح خشبي لتصبح فتيلة وبحركة بارعة تدورها على شكل رقم خمسة. تصبح الكعكة جاهزة التكوين حين تكبس سعاد باصبعها على طرفي الفتيلة بعد أن تدوّر.
أما جدتي فقد كانت متخصصة بصناعة الأقراص المحشوة بالعجوة، ومن أجلها كانت تعبئ القالب بالعجينة المحشوة سلفاً ثم تقوم بدق القالب على طرف المنضدة فيسقط القرص في يدها. كنت معجباً بهذه الحركة البارعة، أما سعاد فقد كانت عمتي المفضلة لأنها تعرف الكثير من الحكايات. كانت تتواطأ مع الأطفال وكأنها في عمرهم. كنا وإياها نسرق الكعك المقمر ونختفي في السقيفة لنتلذذ بطعمه وهي تحكي لنا حكاياتها التي لا تنتهي. وعندما كانوا يعاقبوننا على سرقة الكعك قبل حلول العيد كانوا يعاقبون عمتي سعاد أيضاً.
كان بيتنا يضم عشر نساء، أما أمي فقد كانت واحدة منهن. هناك جدة واحدة بين كل هذه النساء وعدة جدات أصغر منها هن في الحقيقة إما بناتها أو زوجات أبنائها، ومن المعروف في بيتنا أن المرأة تصبح جدة بسهولة وسرعة.
لا أعرف عدداً محدداً للأطفال في بيتنا لكي أثبته هنا، فقد كان عدداً متغيراً باستمرار بسبب الولادات والوفيات الجديدتين. تشترك النساء جميعاً في عملية تغسيل الأطفال، فقد كانت عملية شاقة، خاصة يوم الوقفة حين يتساعدن على تسخين الماء ومناولته وعلى التقاط الأطفال من أيدي أمهاتهم بعد تغسيلهم إذ ان الأطفال يخرجون وهم بلون الشوندرة المسلوقة ويصرخون. كان حفل الحمام يستغرق النهار كله وينهك جمع النساء هذا ولكنه كان من ضروريات العيد فبدونه لا تنفتح الخزائن المقفلة على الثياب الجديدة والأحذية اللامعة.
كنت أحب عالم الكبار ولم أكن أفهمه، فقد كان سراً أين كان يذهب الكبار صبيحة العيد قبل أن يصفونا، نحن الأطفال رتلاً أحادياً مرتدين ثيابنا الجديدة، ليستعرضنا الجد بصحبة أولاده وأزواج بناته. هنا، وفي تلك اللحظة يبدأ العيد لأن الجد يصبح في أسعد أوقاته، فتترجع ضحكات الكبار وتعليقاتهم في أرجاء المنزل، بينما الأمهات يحمن حول أطفالهن لإعادة شد بنطلون أو قميص أو إعادة ربط حذاء. ثم، واحد اثنان ثلاثة ونبدأ بغناء إحدى الأغاني التي كانت العمة الصغيرة سعاد تعلمنا إياها.
للكبار وللصغار أيضاً،
تعرفت على عالم الكبار بالتلصص وهنا، تذوقت متعة جديدة وهي متعة التعرف إلى عالم غير معروف بالنسبة لطفل صغير. ممنوع على الصغار التواجد في عالم الكبار ولكننا كنا نجد أكثر من طريقة للتواجد دون أن يرونا. عندما كنا نوضع في أسرتنا كنا نتظاهر بالنوم وما إن تغلق علينا الأبواب حتى ننهض ونلطي بجانب نافذة صغيرة تطل على غرفة الجد الذي يجمع فيها كل أعضاء أسرته الكبار، من رجال ونساء، للمسامرة. كان جدي الشيخ يهوى الطرب وعندما كان يبحث عن عروس لأحد أبنائه كان يسأل عن مواهب الفتاة المرشحة. لم يكن يقصد المواهب المعتادة في الطبخ والغسيل والكنس. كان يقصد مواهب الغناء والعزف على الآلات الموسيقية التقليدية. جدي أنشأ دون أن يشعر فرقة موسيقية كاملة في بيته وكنت أتلصص عليهم وهم يغنون الموشحات والقدود. أما عندما كبرت وأصبحت فتى فقد ضمني إلى فرقته وكان علي أن أؤدي معهم ضمن الكورس طقطوقات ما أزال أتذكر كلماتها وألحانها حتى الآن، ولكن بصوت ليس فيه أي رخامة أو حنان فلم أولد لأصبح مغنٍ، إلا أن صوتي كان يطرب جدي ويجعله يغرق في الضحك وهذا كاف.
كانت ساحة العيد قريبة جداً من بيتنا حيث كانت تنصب المراجيح والقلاّبات التي كانت تغري الفتيات أكثر من الفتيان، كما كانت تنصب فيها العديد من الخيم حيث كانت تجري أنشطة مختلفة قريبة جداً من الفنون. إحدى تلك الخيم والتي كنت أتردد عليها كانت لأحد متعهدي الحفلات حيث كان يقدم آخر اكتشافاته الفنية. في الحقيقة كنت أتردد على خيمتين في تلك الساحة المتربة، خيمة السينما وخيمة الطرب تلك. فبينما كانت ظروف عرض الأفلام السينمائية بالغة الرداءة كان المطربون في الخيمة الأخرى من ذوي الحناجر الجيدة. مرة حضرت وصلة لمغن لم يكن قد بلغ الثالثة عشرة بعد. كان يغني مصحوباً بثلاثة من الآلاتية من أصول غجرية ألحاناً شجية. تعجبت لهذا الفتى وأردت أن أصنع حكاية غريبة لأرضي بها جدي الشيخ فانتظرت الفتى إلى أن أنهى وصلته وخرج فاقتربت منه وسألته أسئلة شخصية أردت منها التعارف فيما بيننا. لم يكن يعرف شيئاً عن أصوله ولا عن والديه. قال لي إن الغجر وجدوه ضائعاً في أحد طرقات المدينة فأخذوه وعلموه الغناء. في المساء كنت أجلس بجانب جدي وأنا أهمس في أذنه تلك الحكاية، وفي اليوم التالي رافقته إلى الخيمة حيث استمع إلى الفتى بانتباه شديد وللغرابة فقد وجدت الدموع تنهمر من عيني جدي اللطيف. حاول أن يحصل على الفتى، أن يتبناه، ولكن الغجر هربوا به ولم نعد نصادفهم في خيم العيد بعد ذلك.
كان في الساحة أيضاً ساحر يدهش الفتيان أمثالي بألعاب الخفة. كان يقف على صندوق خشبي يحمله معه أينما يذهب. كان يستخدمه أيضاً كمستودع لأدواته التي يستخدمها في ألعابه. كان يخرج شفرات الحلاقة القاطعة من فمه أو يخرج حبلاً طويلاً من المناديل الحريرية الملونة والمعقودة بعضها ببعض من أذنيه. كنا نضحك جاحظي الأعين وعندما يجد انه قد استطاع أن يسحرنا بألعابه كان يخرج قوارير صغيرةً تحتوي على دواء لكل الأمراض بلا استثناء ويعرضها علينا لنشتريها. هذا الرجل استطاع أن يحصل مني على ليرات كثيرة بسبب خفته وبسبب حلاوة صوته حين كان ينادي على دوائه العجيب: أبو فاس.. أبو فاس.
في خيمة السينما تعرفت، رغم ظروف العرض السيئة، إلى أهم الأفلام الكلاسيكية العربية والتي حرصت فيما بعد على حضورها في صالات السينما المجهزة بشكل جيد، مثل فيلم “أنشودة الفؤاد” لجورج أبيض وفيلم “صاحب السعادة كشكش بيه” لنجيب الريحاني، وشاهدت بعض أفلام بشارة واكيم ومحمد عبد الوهاب وفيلم “الغندورة” لمنيرة المهدية.
كنت قد بلغت السادسة عشرة حين وصل دور “الصحنيّة” إلى بيتنا. وأنا لا أزال أتذكر تلك المناسة بسبب حصولها خامس يوم العيد. والصحنيّة تعني أن الضيوف يأتون وكل واحد منهم يحمل صحناً مليئاً بالأطعمة ومن مطبخ بيته بالتحديد. كان الطقس حاراً فانعقدت السهرة في باحة الدار الكبيرة وحول البركة التي كنا ملأناها منذ الصباح بالماء الصافي وتركنا بعض الأسماك الذهبية تسبح فيها. كنت أعرف أن جدي مشترك في سهرة الصحنية الشهرية تلك ولكنني لم أحضر ولا مرة واحدة إحدى هذه السهرات. امتلأت باحة الدار بأصدقاء جدي من الشيوخ والتجار والأعيان المعروفين في المدينة كلها بحبهم للطرب. وهناك علاقة حميمة في مدينتنا بين الشيوخ والطرب، فقد كان أكثر أصحاب الأصوات الجميلة من الشيوخ مثل الشيخ عمر البطش والشيخ بكري كردي الذي كان حاضراً في سهرة الصحنية تلك في بيتنا. كما أن الشيوخ الأفاضل هؤلاء كانوا مدرسة كاملة في الطرب ولن يُعرف أي مطرب مهما كان إن لن يمر أمام هؤلاء الشيوخ بنجاح ويعترفوا به وبصوته. وقد لاحظت أن العديدين ممن حضروا كانوا من المؤذنين أمثال صبري مدلل وغيره ممن لم أعد أذكر أسماءهم.
الطرب والمرح أهم ما كان يميز سهرات الصحنية تلك. كان المرح ينصب على حب بعض الشيوخ لبطونهم، وفي هذا الباب كان هناك الكثير لكي يقال عن طرائف البعض والفصول التي حدثت معهم بسبب ولعهم بالطعام وحبهم لتذوق اللذيذ منه، أما عندما كانوا ينتهون من تناول الطعام فقد كان يقدم لهم عدة أدوار من الشاي المخمر بكؤوس مخنصّرة ومذهبة. كانت لذة تذوق الشاي المصنوع جيداً تفوق لذة تذوق النبيذ الجيد بالنسبة لشاربيه وليس غريباً أنهم أطلقوا على الشاي اسم “خمر العلماء”. كانوا يرتشفون الشاي وهم يستمعون إلى الشيخ بكري كردي الذي كان يغني الكثير من ألحانه. لقد تعلقت بهذا الإنسان منذ اللحظة الأولى التي استمعت فيها إليه وهو يؤدي “ابعتلي جواب وطمّني” التي ما تزال حية حتى الآن رغم مرور أكثر من خمسين سنة على تلحينها.
بعد ذلك اليوم أصبحت أحرص على مرافقة جدي إلى سهرات العلماء والشيوخ الشهرية. لم اعد انتظر لينتقل الدور إلى بيت جدي بعد أن انتقلنا منه وأصبحنا نسكن في بيت منفصل، بل أصبحت ألح على جدي ليصطحبني معه. وكنت أغريه فأزوره وأؤدي له بعض الأغاني بصوتي الذي لم يكن فيه أي جمال فيضحك، يضحك حتى تدمع عيناه. كنت آتي له بأغان لمغنين على الموضة لم يكن قد سمع بهم مطلقاً فيزداد مرحه ويحسب أنني كنت أختلق له هذه الأغاني وأخترع أسماء مغنيها.

قصة البطل

ما إن توقف الباص حتى التقطت حقيبتي الصغيرة بسرعة البرق وقفزت إلى داخله كأنني أخاف أن ينطلق من جديد دون أن أرحل معه. أو أنني ضقت ذرعاً بالمدينة وأهلها إلى حدٍّ أنني لم أعد أرغب بالمكوث ثوانٍ أخر.
جلست في المقعد الثالث من الطرف الأيسر للباص إلى جوار النافذة. أخرجت علبة سجائري وعلبة الثقاب ووضعتهما إلى جانبي. خلعت سترتي وعلقتها إلى خطَّاف مثبت في جدار الباص لهذا السبب ثمَّ أخذت وضع من سيطول سفره، فتفرست في وجوه المسافرين الآخرين وجهاً وجهاً ثمَّ.. انطلق الباص يهدر بصوت مشؤوم ينفث روائح النفط إلى الداخل.
سار الباص في الشوارع ثمَّ توقف على إشارة مرور منسية منذ الليلة الماضية ومالبث أن عاود سيره في الطرقات الفارغة مزعجاً عصافير الصباح التي كانت قد شرعت في زقزقتها الأولى.
أطفأ السائق أنوار الداخل فبانت مباني المدينة وأرصفتها بشكل أوضح عبر الزجاج. كان الناس نياماً. فالفجر يطلق أنفاسه الأولى والمسافرون عادوا إلى النوم بعد أن انتزعهم موعد انطلاق الباص من فراشهم متجهمي السحنات، والسائق يحترم راحة المسافرين فيقرر عدم إشعال المذياع أو إطلاق المسجلة، مفضلاً إشعال سيجارته الأولى لهذا اليوم أما معاونه فكان يسعل ثمَّ يبصق ثمَّ يسعل من جديد ليبصق من جديد. كان الباص يهدر والمسافر الذي تكوَّمَ في مقعده، خلفي مباشرةً، يصدر شخيراً عالياً ومديداً دون توقف.
أما أنا فلم أنم، ولم تذبل عيني ولم أشعل السيجارة الأولى بعد، رغم أنني لم أنم هذه الليلة بل بتُّ سهران، انتظر الساعة الخامسة والربع لأرحل أخيراً عن هذه المدينة، تاركاً مبانيها ونوافذها ومداخل حاراتها وطرقاتها المسفلتة إلى الأبد.
لن أعود إليها، أقسم أنني لن أعود إليها، قلت ذلك في نفسي حين خرج الباص من المدينة فاستقبلته أطراف الحقول مسرعة إليه فارتحت أخيراً لأنني تركت المدينة إلى الأبد.
في تلك الليلة المقمرة وعندما كنا نسير على الطرقات الترابية على مهل ونتحادث، سألني عن يدي ماذا قال الطبيب ؟ قلت له : شلل تام في أصابع اليد اليسرى. نعم، لقد انكمشت أصابعي وبقيت منكمشة إلى الأبد. نهاية حزينة ليد مقاتل. أنا أعترف بذلك. طلق ناري أخترق ظاهر الكف قريباً من الرسغ. أجروا لي عمليتين جراحيتين، ثمَّ أرسلوني إلى برلين لإنقاذ يدي، عدت من هناك بعد شهرين بأذى أقل. أصبحت أحركها. أما أصابعي فمستحيل. أصبح وضعها وكأنني أمسك برتقالة ثمَّ نزعت البرتقالة وبقيت اليد ممسكة فراغاً بحجمها.
قال لي وهو يلتقط عسلوجاً من الأرض ويهم بتقطيعه إلى أجزاء : انظر أيها البطل. الا يكفيك خمس سنوات من القتال ؟. لماذا لاترحل إلى المدينة فنحن بحاجة إليك هناك.
غاص قلبي. أطرقت صامتاً ونحن نسير على الدرب الترابي. ليلة تموزية جميلة، والقمر بدر ينير الوديان والهضاب والسهول إلى ما وراء الخط الساخن. صفير الجنادب. أصوات تحرك فئران الحقول بين الحشائش وشجيرات العوسج المتيبسة. حفيف الرياح الهادئة في الاذن. أصوات طلق ناري متفرق من بعيد. كل ذلك اختلط في شعوري فأحسست بأنني سأنفصل مرة أخرى عن هذا العالم. سأقتلع منه.
قلت له : القول الأخير لكم ولكنني أرجوكم ألا تفكروا في هذا الأمر. إنني أقاتل منذ خمس سنوات. اصابة بسيطة كهذه لا يجب أن تبعدني عن حياتي التي اعتدتها. اجعلوني مدرباً على الأقل. عدنا إلى المهاجع الأرضية. تركني لأستلقي. قال : غداً سنبت في الأمر.
استيقظ المسافر الذي كان تكوم في مقعده وراح يشد جسده ويطقطق عظامه. أطلق شتيمة نابيةً بحق السفر، ثمَّ راح يعبث في كيسه. أخرج قطعة خبز وجبن وخيارة وشرع يأكل. سمعت أسنانه تطحن الخيارة بصوت يطغى على هدير الباص ولما انتهى مسح شاربيه بباطن يده ثمَّ تجشأ مرتين وحمد الله ثمَّ عاد وتكوم وسرعان ما راح يشخر.
كان قرص الشمس قد انبثقَ فجأةً من خلف منخفض أرضي وراح يشع باتجاهي. أحسست بعداء نحوه كما المدينة. خبأتُ وجهي وأغمضتُ عيني. كأنَّ الشمس كشفت هروبي، فضحتني. كنت أخجل من نفسي.
جاء في التقرير ما يلي :
<>
ارتعشت. سمعت معاون السائق يسعل ثمَّ يبصق. مسحت عيني بيدي اليمنى وقد أحسست بحرارة تنبثق من وجهي. كان السائق يشعل سيجارته الثانية أما أنا فلم أشعل الأولى بعد، تكفيني رائحة النفط التي تنفذ إلى الداخل باستمرار. لم أكن أحمل حقيبة بل محفظة صغيرة وضعت فيها فرشاة أسناني وبعض الأوراق ومذكرة العام ذاته. ماذا كان علي أن أحمل من القاعدة إلى المدينة ؟.
نزلت من الشاحنة العسكرية التابعة للسوريين في وسط مدينة (ب) ثمَّ اتجهت إلى مقهى <> في هذا المقهى اعتدت شرب فنجاني الأول من قهوة <>. أنا أحب احتساء هذه القهوة مرة في اليوم إن كنت في مهمة ما في المدينة . شربت قهوتي ودخنت بعض السجائر وأنا أستمع إلى أحاديث الناس عن جريمة وقعت ليلة أمس في الضواحي. وضعت خمس ليرات ثمَّ خرجت أتمشى باتجاه كراج دمشق. كانت الشوارع ملأى بالمسلحين والسيارات العسكرية، وكان الباعة يجلسون أمام حوانيتهم وهم يحتضنون الكلاشنكات.
في أحد الشوارع استوقفوني وطلبوا هوِّيتي. تأكدت أنهم من تنظيم صديق فأخبرتهم من أنا. عرفوني فوراً. أحدهم قبلني. سألوني عما إذا كنت أحتاج إلى مساعدة. عرضوا علي إيصالي إلى أي جهة أريد. رفضت. سرت من جديد أتفرج على الفترينات. وجدت الحل. ابتعت بنطالاً وقميصاً وحذاء، فخرجت من الحانوت مدنياً بحتاً.
لم أمر على مكتبنا في مدينة (ب) بل اتجهت فوراً إلى الكراج واستقليت أول سيارة إلى دمشق. ارتفع قرص الشمس إلى الأعلى فغمرت أشعتها الباص وراحت تُسمع حركة المسافرين وهم يستيقظون ويتثاءبون ويتمطؤون. استيقظ أيضاً الرجل الذي تكوَّم في مقعده خلفي. معظم المسافرين أشعلوا سجائرهم وكأنَّ ذلك إيذانا ببدء الحياة. مدَّ السائق يده إلى المسجلة يدس في شقها شريط كاسيت لأم كلثوم (اذكريني). كنت قد نسيت منذ سنوات طويلة أنَّ لأم كلثوم أغنية تحمل هذا الاسم. جاء الصوت مرتجفاً وباكياً. اختلط حزن الأغنية بفرح الصباح النضر : اذكريني كلما الفجر بدا…
رحت أستمع إلى الأغنية وكأنها تخصني وحدي. كيف لا وقد كان المسافرون جميعهم يثرثرون دون توقف. أحدهم قال إنه خائف من بيروت. فسأله الآخر : ولماذا ترحل إلى هناك إذاً ؟ فأجاب أنا ذاهب للبحث عن ولدي، إنه يدرس في جامعة بيروت. انقطعت عنا أخباره منذ مدة. تنهدت امرأة في الخمسين وقالت : يا لطيف !.
اذكريني كلما الطير شدا…
أحسست بغصة في صدري. كيف ستذكرينني يا ترى ؟. متى ؟ وهل ستذكرينني فعلاً ؟ ولكني الآن أذكرها وأذكر ملامحها الرقيقة. هنا في الباص بين هديره وصوت أم كلثوم وثرثرات الركاب وسعال المعاون. ولكن أين عهدي على نفسي أن أنساها ؟ لماذا عادت الآن، أبسبب الأغنية ؟ محوتها من ذهني ورحت أشغل نفسي بشيء آخر. أشعلت سيجارة. تسليت بإطفاء عود الثقاب في آخر لحظة. راقبت السائق وهو يتمايل مع أنغام الأغنية. المعاون وهو يغفو ثمَّ يستيقظ ليسعل. راقبت الحقول الخضراء والجواميس التي تقضم العشب بلذة. أحصيت ما بقي من نقودي. فعلت كل ذلك لكن الغصة بقيت ساكنة في صدري.
كان قد مضى على وجودي في دمشق شهراً كاملاً. استأجرتُ غرفة. اشتريتُ شراشف جديدة وغطاء للطاولة. واشتريت أيضاً جهاز تلفزيون أبيض وأسود مستعملاً. كنت أتناول طعام الغداء في المطعم ( الصحي) والعشاء في البيت، أما القهوة فكنت أشربها في المكتب صباحاً وفي مقهى (النجمة) في المساء. كل شيء ممل. المكتب والمطعم والمقهى والبيت. في بعض الأحيان كنت أشعر بالاختناق، خصوصاً عندما تبدأ الشمس بالغروب. حينها أشعر كأنني برئة واحدة وأنني ألهث. أفتح ياقة القميص ويصيبني صداع. أعتذر من أصدقاء المقهى وأغادر أمشي بوجه أحمر ضرَّجه الدم الصاعد بنزق إلى الرأس. أخرج نصف ليرة وأبحث عن هاتف للعموم. أضيِّع ساعة وعندما أجد الهاتف أفقد الرغبة في الاتصال بأحد. أعود إلى غرفتي. أصعد المئة وعشر درجات. أستلقي على سريري وأدخن السجائر المهربة وعندما يطرق بابي أحد تجتاحني سعادة ما ثمَّ ما تلبث أن تغادرني لتحتلني الكآبة والنزق والصمت. كان علي أن أسرد ولكنني لم أكن أسرد. يضجرون من بطولاتي ويرحلون. أي بطل أنا في هذه المدينة. بطل العمل السياسي والتنظيمي !!. هذا الشيء مدعاة للسخرية خصوصاً أنَّك تفقد القدرة على الكلام حين يطلبون ذلك منك. أجلس في أحد المهرجانات الخطابية ويدي اليسرى تقبض على برتقالة وهمية. أشعر ببعض الأشخاص ينظرون إلي بحسد وإعجاب. ما قمت به عظيم، ما أقوم به تافه. بعد الخطب والكلمات يضربون حولي طوقاً أثناء الخروج. كل الناس يريدون تحيتي وأنا أريد الهرب مصاباً بداء الكآبة، أدخن بشراهة، تنتظرني ساعات أرق طويلة في البيت وفي بعض الأحيان أحطم كأساً على الجدار.
كل ذلك كان يحصل عندما التقيت بنبيل.
احتضنني وجعل يقبلني. قبلته أنا أيضاً وأنا أشد على يده مصافحاً. أين أنت يا رجل ؟ قرأت عنك الكثير. أنت الآن بطل حقيقي. يقولون أنك قهرت جيش لحد، ماذا : ألم تقهرك امرأة ما؟ ثمَّ ضحكنا وانطلقنا إلى مكان ما لنأخذ كأساً أو إثنين من الخمر.
قعدنا وشربنا الكثير. تحدث نبيل الكثير أيضاً. إنه مرح في طبعه، والدنيا لا تستطيع تبديل شخص مثل نبيل. إنه كاتب وثوري وتاجر في آن معاً. يقول النكات كما يتنفس. يضحك لأتفه تعليق. يقول نظريات مهمة ويناقش النساء حتى الصباح، وبعد أن يغادرهنَّ يشعر بالأسف لأنهناقشهنَّ فقط. تذاكرنا معاً أيام زمان وتداولنا مواضيع هذا الزمان. لا ينسى شيئاً. يتذكر كل شيء والأهم من ذلك أنَّه لا ينسى أن يرفه عن أصدقائه.
المهم. شرب وضحك وأطلق النكات وحدثني عن نظريته وعن تجارته. خطر في باله أن يسألني عما أفعل الآن.
بماذا أجيبه ؟. أحمر وجهي وزفرت وأصابني الغم فجأة. وبما أنَّ نبيل هو نبيل فقد قلت له كل شيء. أخبرته عن إصابة يدي والشلل والعمليات الجراحية والرحلة إلى برلين. ثمَّ أخبرته عن قرار التنظيم في إبعادي عن العمل العسكري حمايةً لي، ولأنني أصبحت عاجزاً. حدثته عن حياتي في مكتب المدينة وعن الكآبة التي تصيبني كل مساء عند الغروب لأنني أبتعد عن الناس وهم يبتعدون عني. أخبرته أنني أسوأ رجل سياسة في هذه المدينة. لم أبقِ شيئاً لم أقله ولم أخفِ عنه شيئاً. قلت له حتى أنني أحطم الكؤوس على الجدران وأمارس أسوأ العادات. فوجئ نبيل بكل هذا. كان يستمع وهو صامت، وصمت بدوري وقد عاودني القلق. أطفأ السائق المسجلة عندما كانت أم كلثوم تعيد مقطع اذكريني كلما الليل سجى… ثمَّ خرج الباص عن الاسفلت وأوقفه. صمت المسافرون قبل أن تنتهي الحكاية وراحوا يستفسرون عن سبب التوقف. خرج السائق من خلف المقود بصعوبة ثمَّ ترجل مع المعاون بينما نهض المسافرون ليراقبوهما عبر زجاج النوافذ. أعلنوا جميعاً وبشكل متتابع أنَّ دولاب الباص قد (برشم). هرع بعض المسافرين لتقديم المساعدة إلى السائق والمعاون بينما سار آخرون بعيداً كي يتبولوا. سمعت السائق يشتم أم الدولاب. نهض المسافر الذي كان متكوماً خلفي. استفسر عن الموضوع من امرأة صبية متحجبة فلم تجبه شيئاً. سألني فرفعت له كتفي وأنا أقول له : الدولاب. هدأ إذ كان يحسب أنَّ حاجزاً قد أوقفنا. أخرج خيارة وراح يقضمها بصوت عالٍ وشهي. أصدر أحد المتبولين صوتاً بشعاً فاحمر وجه المرأة المتحجبة. تكومت في مقعدي وأغمضت عيني طلباً للنوم.
في اليوم التالي هتف إلي بالمكتب. قال إنني لم أعجبه في الأمس. قلت له إنني لم أعد أعجب أحداً، فقال بأنه سيمر علي مساءً في البيت لنتحدث أكثر في الموضوع. أغلقت الخط وأنا غير متحمس للموضوع.
وفعلاً جاء. كنت نائماً فأيقظني. أشرعنا النافذة طلباً للهواء النقي فقد كان جو الغرفة كريهاً. سألني منذ متى وأنا نائم ؟ فاستنتج أنني نمت خمس ساعات. اغتسلت وعملت كوبين من القهوة شربناهما صامتين. أراد أن يخلق جواً من المرح إلا أنني قمعته بتجهمي. بعد قليل كسر الصمت وقال :
– انهض واحلق ذقنك وارتدِ ثيابك.
– ماذا هناك ؟.
– سوف أعرفك بفتاة.
قلت له لا أريد. عرفت الكثيرات خلال مكوثي في المدينة إنهنَّ تافهات ثمَّ إنني أخاف أنَّ أخذلك. أصرَّ نبيل، قال إنَّه سيعرفني بنوع جديد ومتميز من النساء. هذا النوع الذي سيعيد علاقتي بالحياة على أسس جديدة هكذا قال حرفياً ولذلك نهضت وفعلت ما طلبه وقد زال عني نصف الكآبة. مشينا صامتين باتجاه شارع العابد حيث اشترينا كيلو غراماً كاملاً من المشاوي ولتر وسكي مشكوك في مصدره ثمَّ استقلينا سيارة باتجاه ركن الدين. وجدت الأمر مسلياً بالنسبة لي فابتسمت لإحدى نكات نبيل. منذ زمن بعيد لم أذهب مع أحد لبيت فتاة. ربما خطط الرجل لأمسية جميلة تجعلني أنسى كآبتي والغصة في الصدر والشعور بالوحدة. ليلة واحدة على الأقل. ترجلنا ثمَّ صرفنا السيارة أمام بيت من طابقين له حديقة منخفضة. كان الشارع هادئاً ومعتماً. فتح باباً حديدياً ثمَّ قادني بواسطة درج إلى الأسفل. طرق نبيل باباًَ من الحديد والزجاج وأنا أتطَّلع إلى أحواض الزرع التي تحوي أي شيء ماعدا المزروعات. فتحت الباب امرأة في الخامسة والثلاثين. هللت لمجيئنا. أدخلتنا وهي ترحب بنا وكأنَّ أسعد شيء تتوقعه قد حدث. امرأة لطيفة تجدها في الأماكن الراقية. مثقفة بدلالة لكنتها ومئات الكتب المصفوفة على الجدران الأربعة.
– السيدة هدى
– السيد ن.ع.
شدت على يدي بطريقة لطيفة جداً. إنها تعرفني وتعلم بمجيئي. اعتذرت بسبب بساطة بيتها والأساس. جلست أنظر حولي وأنا أخفي يدي المشلولة. لاحظت أنها وبذكاء تراقب يدي. فتح باب المطبخ ودخلت امرأة ثانية، امرأة في الثلاثين، ناعمة، رأسها يصل إلى كتفي. ذات شعر مسبل على كتفيها. امرأة عادية نحيلة سمراء تحسب أنها بلا عظام لليونة التي تتحرك بها. امرأة بجمال غريب لأنه عادي. لطيفة ومثقفة هي أيضاً. حاولت أن لا تزيح عينيها عني. قدَّمها باسم ليلى وقدمني باسمي. صافحتني بيدها اللاعظمية. أثناء ذلك أحسست أنَّ لها أعمق عينين صادفتهما في حياتي.
أعلنت المرأتان أنَّ هذه الليلة ستكون أعظم ليلة في حياتهما. تسلقت ليلى المكتبة والتقطت من رفها العلوي زجاجتي نبيذ فرنسي معتَّق. نظرت إلي أثناء نزولها. خرجتا وبدأتا بتحضير السفرة. كانت ليلى ترمقني في الرواح و المجيء. أحسست بالحرج بالبداية ثمَّ اعتدتُ على نظراتها. الليلة هي ليلة البطل فشربنا النخب الأول.
ليلى تملأ لي كأسي، تملأ لي صحني، تشعل لي سيجارتي، ترمق وجهي، توجه الحديث نحوي وتحكي لي النكات. إن لم أضحك تحسب أنني لم أفهم النكتة، فتعيدها من أجلي. أعلنت أنها ستضع في المسجلة أحب شريط إليها.. أيضاً من أجلي. سألتني إن كنت أتذكر نكتة. سردت لهم نكتة عن رجل حمصي، ضحكت ليلى حتى غشيت من الضحك. كانت النكتة سخيفة. بدأت تسابق الريح في إطلاق النكات حول <>. أخيراً طلبت مني أن نرقص على أنغام (شيرلي باسّيه). لم أكن محرجاً لأنني كنت قد شربت بما فيه الكفاية. سألتني وهي تحافظ على مسافة بين جسدينا إن كنت أعرف الانكليزية. قلت لها نعم ومع ذلك ظلت تشرح لي معاني أغنية شيرلي.
أحبك، أكرهك، أحبك، أكرهك، أغنية جميلة والمرأة التي بين يدي جعلتها أجمل. كانت تتمايل مع الأغنية وشعرها يتمايل معها والغرفة تتمايل أمام عيني.
انتهت الأغنية فعدنا ونحن نضحك. ضحك نبيل بسعادة لقهقهاتي. لقد نجح، وكعادته يطرب لنجاحاته. صرخ بأعلى صوته طالباً زجاجة الويسكي. حان دورها. بدَّلت هدى الكؤوس وأحضرت الثلج وبدأنا بشرب السائل المزيَّف. ثمَّ طلبت ليلى أن أحكي لهم عن بطولاتي. لم أشعر بشيء إلا وأنا أحكي لهم عن التسلل والكمائن والضرب والتراجعات وتصفيات الخونة وإنقاذ الجرحى وتفجير مباني القيادات وكشف الجواسيس. حكيت لهم أشياء كثيرة. كنت أحكي لليلى، وليلى كلها آذان صاغية.كانت تعابير وجهها تأخذ شكل ما كنت أسرده. وعندما حكيت لها كيف أصبت في المعركة الأخيرة وكيف انسحبت من المعركة زحفاً، بكت.
في تلك اللحظة أحسست أنَّ علي أن أنهض وأعانقها ولكنها هي التي فعلت.
وقفت بكل هدوء ثمَّ اقتربت مني وعانقتني.
اصلحت جلستي على مقعدي. كان جاري يتابع أكل الخيار. بدأ الركاب في العودة إلى الباص وهم يضحكون. قال زوج المرأة المتحجبة أنهم أنهوا تبديل الدولاب وسينطلق الباص فوراً. صرخ أحدهم أنَّ الباص سيسير دون بدل. ردَّ آخر : خذ حسبك الله وامش. ردد الجميع : لا إله إلا الله. صعد السائق ومعاونه إلى الباص وأخذا مكانيهما. وضع السائق شريطاً جديداً. كانت أغنية الآهات لأم كلثوم أيضاً. انطلق الباص وانطلقت الاغنية : آه من لقياك في أول يوم… تذكرت نهاية أول يوم. كنت في غرفتي وحيداً بعد أن ودَّعت هدى وليلى ثمَّ ودعت نبيل الذي سيسافر صباحاً إلى أبو ظبي.
كنت جالساً في غرفتي أدخن السجائر وأستعيد وقائع الليلة. ليلى هذه تركت انطباعاً هائلاً في نفسي. تذكرت نكاتها وحركاتها فابتسمت. تنهدت ثمَّ زفرت ثمَّ سألت نفسي إن كنت قد وقعتُ في الحب.
كنا قد تواعدنا للذهاب إلى السينما. انتظرت بفارغ الصبر انتهاء عمل المكتب. وفي الساعة السادسة كنت أنتظر أمام سينما الكندي وفي جيبي ثلاث بطاقات، وما إن وصلتا حتى دلفنا إلى الداخل وجلسنا نتحدث ونضحك، وما إن أطفِئت الأنوار حتى لم يعد يسترع انتباهي شيء سوى التي إلى جانبي. حتى أننا وقـَّعنا في العتمة بطريقة خرقاء على بطاقات الدخول وتبادلناها.
ما إن انتهى الفيلم حتى تنفسنا الصعداء وانطلقنا باتجاه ركن الدين. وهكذا كنا نفعل كل يوم، كنا نمضي ساعتين أو ثلاث في الخارج ثمَّ نذهب إلى البيت، وهناك كانتا تحضران السفرة ثمَّ نقعد لنأكل ونشرب، لنستمع إلى الموسيقى ونرقص على أنغام شيرلي باسِّيه. كنا في بعض الأحيان نغني أغنية معاً بصوت هادئ بعد أن أكون قد تعلمت بعض كلماتها. وما إن ينتصف الليل حتى تذهب هدى إلى النوم، فأمكث ساعة أخرى مع ليلى نتحدث خلالها عن لبنان ونبيل. عن الأفلام التي كنا قد شاهدناها وعن أغاني باري وايت وأوليفيا نويتن التي كنا نستمع إليها في تلك الساعة. وعندما تدق الساعة الواحدة، كنت أنهض فألمس خدها بخدي ثمَّ أقبل يدها كجنتلمان وأتمنى لها ليلة سعيدة.
كنت أعود إلى البيت مشياً على الأقدام، وفي بعض الأحيان كنت أركض فرحاً. لا يهمني شيء ولا حتى أن يتطلع حارس ليلي إلي بدهشة. وما إن ادلف إلى غرفتي حتى أستلقي على سريري وأنا أحلم أنها جالسة على مقعدي إلى جانب النافذة، فصوتها يرن في أذني، وصورتها ثابتة في عيني، ورائحة عطرها ساكنة في رأسي.
أما في الصباح فإنني كنت أستيقظ نشطاً. أركض إلى الباص. أصعد الدرجات إلى المكتب قفزاً. أحيي الزملاء فرداً فرداً. أشرب القهوة بلذة عارمة وأنا أدخن السيجارة الأولى. حتى أنني كتبت خطاباً حماسياً وألقيته مرة في مناسبة وطنية فوقف الحضور وهم يصفقون ويهتفون.
ياإلهي.. ياإلهي.. ماذا جرى لي ؟.
كانت أم كلثوم تتابع أغنية الآهات بصوت مجروح :
أشرب بايدي كاس يرويني.. اشرب بإيديك كاس يكويني..
رفعت جزعي ومسحت وجهي بيدي. كانت الغصة إياها تثقل على صدري. أخذت نفساً عميقاً دون فائدة. كانت يدي القابضة على اللاشيء مركونة على فخذي ترعبني.
كان الوجوم مسيطراً على الركاب، رغم صوت أم كلثوم، فقد تلبدت السماء بالغيوم، وأصبحت الأراضي اللبنانية مرئية، وكانت الشاحنات العسكرية والحواجز تغطي الأرض والأفق.
أبقيت عيني مفتوحتين وأسندت رأسي إلى زجاج النافذة.
كنت قد قررت أن أقول لهاشعوري فيها، أن أقول لها ما أشعر نحوها. قررت أن أبثها عواطفي. أن أقول لها أنَّ ذلك الشيء الذي أشعر به يضغط على كياني كله والذي أنقذني من كآبتي ونزقي وموتي البطيء.
كنت قد قررت أن أقول لها في تلك الليلة إنني أحبها.
كنا قد أكلنا وشربنا، رقصنا وغنينا، وكانت هدى قد ذهبت لتستلقي. كانت ليلى جالسة إلى جواري، قريبة مني، كنا نتحدث في أمر نسيته تماماً، لأنَّ ماحدث بعد ذلك هو الذي لن أنساه في حياتي كلها.
أمسكت يدها في يدي فأبقتها على حضني. قرَّبت وجهي من وجهها فلم تبتعد. عندها، قبلت شفتيها. وما إن ابتعدت عنها حتى همست بصوتٍ صادر من عمق أعماقي وبكلمات لم أقل في حياتي كلها أوضح منها : ليلى، أنا أحبك.
رفعت عيني إليها لأرى ردها. كنت أنتظر أن تفتح ذلك الثغر الذي قبلته قبل هنيهة وأن تقول ما أريد أن تقول فعلاً. ولكنها لم تقل شيئاً. تلألأت عيناها السوداوان قليلاً ثمَّ نبعت دمعتان ارتجفتا قليلاً ثمَّ تدحرجتا على الخدين، ثمَّ أخفت وجهها بيديها وراحت تبكي.
ياإلهي.. ماذا فعلت. ماذا حصل.. احتضنتها. استسلمت لي ولكنها لم تتوقف عن البكاء. كانت تبكي بصوت مكتوم وينتفض جسدها بين يدي. كانت تبكي وتنتفض وتشرق أنفها دون أن تستجيب لتوسلاتي.
ماذا حصل ؟ سألتها عشر مرات. مسحت لها دموعها بمنديل. قبلت يديها ثمَّ قبلت عينيها الباكيتين. تذوقت السائل الدافئ المالح. ماذا حصل ؟.. كان علي أن أموت لا أن أجعل ليلى تبكي.
هدأت قليلاً وابتعدت عن كتفي. حاولت الابتسام ولكن دموعها منعتها. كانت محرجة وحزينة، تشعر بذنب ما لا أعرف كنهه. قالت لي بكلمات متقطعة دون أن تنظر في عيني :
– انظر أرجوك. أنت بطل، ولزاماً علي أن أعتني بك. أن أحوطك بالعناية. أنت بطل.. والأبطال لا تقابلهم كلَّ يوم، ولا تستطيع التحدث معهم بسهولة ولمسهم. أنت بطل عزيز، لكنك فهمتني خطأ.
تأكدت من صحة سماعي ما قالته. لقد فهمتها خطأ. كيف ذلك ؟ قلت لها مرة أخرى إنني أحبها. استدارت إلى الطرف الآخر ومسحت عينيها من جديد سمعتها تقول وهي تنهض :
– أنت صديق عزيز ولكنني أحب شخصاً آخر. أرجوك افهمني، أنا المخطئة، الذنب ذنبي.
خرجت إلى المطبخ وتركتني أنهار على الكنبة. كان عقلي ساكناً متلبداً. لا يريد أن يفهم، لا يريد أن يعي، لا يريد أن يقرر ماذا علي أن أفعل الآن، أن أفعل غداً. ولكن التلبد انحسر فجأة فأحسست بالدم يصعد إلى رأسي وشعرت بحاجة للبكاء. كم أحسد ليلى لأنها تبكي بسهولة هكذا. نهضت، ذهبت إليها. كانت واقفة أمام الغاز تصنع القهوة وتبكي. أمسكت بها ماذا حدث ؟ لماذا فعلت بي هذا ؟ إنني أحبك، أرجوكِ افهميني. لقد بنيتني من جديد فلماذا تحطمينني ؟ قلت لها أشياء كثيرة أخرى. كانت تبكي وتقول : إنها تحب شخصاً آخر. نبيل هو الذي طلب منها أن تهتم بي لأنني كنت بحاجة إلى ذلك.
تركتها. دلفت إلى الغرفة. حملت سترتي وعلبة سجائري وخرجت إلى الحديقة. صعدت الدرجات لا أعرف كيف. خرجت إلى الشارع. سرت في العتمة وأن أسمع صوتها وهي تبحث عني. أخذت سيارة أجرة أو ربما لا، نسيت كيف وصلت إلى بيتي وكيف بحثت عن فرشاة أسناني وكيف انتظرت حلول الساعة الخامسة والربع، وكيف وصلت إلى محطة الباصات.
كان الباص يتابع سيره مجتازاً حاجزاً بعد الآخر. كان الجنود والمسلحون يصعدون إلى الباص يدققون في البطاقات ويتفرسون في الوجوه. عرفني بعضهم فرحب بي. ولما وصلنا إلى مدينة (ب) نزلت من الباص قرب مقهى <> حيث تناولت فنجاناً من قهوة <> وبعد ذلك سرت باتجاه دوار طريق الجنوب حيث التقطتني شاحنة عسكرية تابعة للسوريين فأوصلتني إلى المعسكر.

يومياتي مع برلنت

استيقظت على صوت برلنت العالي. كانت تقف على نافذة الدرج بجانب نافذة غرفتي وهي تثرثر مع جارتها التي تسكن في البناية المقابلة. هي تتعمد التكلم بصوت عال لكي أسمعها. طلبت منها عدة مرات ان تكف عن ازعاجي، ولكنها كانت تبتسم وتتمايل وهي ترنو الي بطريقة غريبة وتعتذر. برلنت تحبني وهي الآن تتحدث مع جارتها عن نساء سوف يأتين مساء لرؤيتها. تقول ان العريس يعمل في الامارات وسوف تسافر الى هناك اذا ما حصل النصيب. انها تكذب الملعونة، فقد حدثت ام حسن عن كثير من العرسان، وفي كل مرة كنت أحمد الله انها ستتزوج أخيرا وتريحني من ثرثراتها. ام حسن لا تفهم ان برلنت تتحرش بي. حاولت العودة للنوم، فلم تكن الساعة قد بلغت العاشرة بعد ولكن دون فائدة. نهضت أخيرا بعد ان علمت من برلنت ان في الامارات خادمات آسيويات رخيصات.
عندما كنت أخرج من شقتي، تفرست بي برلنت. صبّحت عليها فردت علي وقد التصق كتفاها بالجدار بينما دفعت جسدها الى الامام. كانت المسكينة عاشقة. كانت تبحث في وجهي عن أي أثر لأخبار خطابها الجدد. شاهدت ام حسن على شباك غرفتها فاندفعت مسرعة الى الداخل كي تبعد شعرها المنفلت عن عيني ثم عادت لتسترق النظر. قالت لي برلنت انها تعتذر فقد نسيت مرة أخرى ان تتكلم بصوت خافت وسألتني ان كانت قد أزعجتني. قلت لها لا، ثم هممت بالنزول ولكنها استوقفتني مرة أخرى. احتارت وقد احمر وجهها بما يمكن ان تقوله لي، فلم أكن أشجعها على الاطلاق بوجهي الجاف، ثم قالت: ” ما في شي” فتركتها ونزلت بينما ظلت واقفة تنظر الي كيف أنزل برشاقة وقد نسيت ام حسن.
كالعادة، ذهبت أولا الى البريد فلم أجد في الصندوق سوى احدى المجلات الملتزمة التي اعتادت احدى المنظمات ارسالها الي دون طلب فتصفحتها ثم تركتها على رف بائع الطوابع، ثم دلفت الى صالون تلميع الاحذية وعندما خرجت ذهبت الى المقهى.
25/7/1995
كنت عائدآ من الخارج حين صعدت الدرج دون اية ضجة كي لا أتفاجأ ببرلنت. أخرجت مفتاح الشقة بكل حرص وانا أنظر جهة باب شقتها المقابل لبيتي. ابتسمتُ لأنني استطعت الهرب منها، وربما لأن هذه اللعبة تجلب لي شيئا من التسلية. ولكنني لم ابتسم طويلا فقد انشق باب شقتها بهدوء في نفس اللحظة التي كنت أدفع فيها باب شقتي ثم خرجت وكأنها تتلصص، ففي هذا الوقت من بعد الظهر يكون أبوها قد عاد من عمله وتناول غداءه واستسلم لساعة قيلولة. كانت برلنت متجملة ويبدو انها قد انتظرت طويلا عودتي قابعةً خلف الباب. نادتني ” استاذ!!” فاضطررت لاجابتها ولكن دون ان أغير سحنتي (فانا ابدو وكأنني مستاء رغم انني لست كذلك) والواضح ان برلنت لم تكن قد اعتادت على طبيعة سحنتي فاضطرت إلى أخذ الحذر. ولكن أي حذر هذا..؟ كانت المسكينة تثير الضحك بسبب طريقتها الخرقاء في العشق.. وتبدو الآن وكأنها قررت القيام بمغامرة. قالت انها تريد استشارتي في أمر هام بالنسبة اليها خصوصا وانني مثقف ومتعلم وعندي خبرة في الحياة. هززت رأسي لتتابع دون ان ابتسم لكلماتها، فانا أعرف انها تجاملني وكل ما كانت تريده هو دقائق لتتكلم معي. قالت: ” خطبني مدرس بيشتغل في الامارات” قلت لها نعم، فسألتني وهي تسدد الي نظرة ذات معنى: ” أوافق والا لأ..؟” حاولت ان أهرب بناظري من عينيها، فقد كانت تلاحق تعابيري بطريقة مكشوفة. انها وبكل وضوح تريد ان تدفعني الى التقدم لخطبتها وكل هذه القصة عن مدرس الامارات تبدو لي مختلقة. انها بكل بساطة عاشقة ومسكينة..
أنهيت الأمر بعدة كلمات، فعليها ان تعرف انني لا أفكر بالزواج من امرأة بسيطة وشعبية مثلها. سايرتها في لعبتها وقلت لها انها لن تندم اذا ما تزوجت المدرس الذي يعمل في الامارات وانني أتمنى لها التوفيق فهي بسعر اختي فاطمة التي عرفتها حين جاءت لزيارتي مع زوجها محمد في العام الماضي.
ابتسمت لها برقة بعد ان تأكدت انني قد انهيت أوهامها بطريقة ناعمة كنت أحسب انها لن تؤذي مشاعرها. أطرقت برلنت صامتة. كنت أنوي الانسحاب ودخول شقتي إلا ان ارتجاف زاوية فمها أوقفني. ظللت واقفا أراقبها باحثا في ذهني عن كلمات أشجعها بها لارتياد مغامرة السفر الى الامارات رغم اقتناعي بعدم وجود مثل هذا المشروع أصلا فشاهدت دمعتين تنسلان من عينيها. رفعت الي عينيها الحمراوين والرطبتين ثم رسمت بشفتيها كلمة ” طيب” واستدارت ثم دفعت الباب وغابت خلفه. سمعت تكة الباب وهو يغلق بنعومة.
16/8/1995
انشغلت في الايام الماضية بكتابة والقاء محاضرة عن المستشرقة الانكليزية الليدي ” آن بلنت “التي زارت المنطقة عام 1878 وكتبت كتابا عن قبائل بدو الفرات تحضيرا لاحتلال جيوش بلادها للمنطقة. كنت استغرق في موضوعي طوال الليل وأظل نائما حتى الثانية عشرة. كنت في بعض الأحيان أترك عملي لأن صورة برلنت وهي تبكي تكون قد هاجمتني فأشعر بالحزن عليها فهي انسانة بسيطة ولكنها طيبة وليس ذنبها انها عشقت شخصا مشغولاً بأمور الثقافة. ثم لاحظت انها لم تعد تزعجني صباحا ولم تعد تقف على نافذة بيت الدرج القريبة من نافذة غرفة نومي لتتحدث بصوت عال مع جارتها ام حسن. وإذا أردت ان أسجل السبب حسب رأيي فإنني أعتقد انني استطعت أخيرا اقناعها بعدم جدوى دعوتي الى خطبتها، أي انها فقدت الأمل بي فتوقفت عن اختلاق مواضيع الخاطبات.
وبسبب انشغالي بالليدي ” آن بلنت “لم ألاحظ تلك السيارة الامريكية فضية اللون ذات اللوحة الاماراتية التي أصبحت تزور الحارة وتقف على الرصيف بشكل عرضاني، كما انني لم أميز ذلك الرجل الاربعيني الذي راح يزور بنايتنا ويصعد الى نفس الطابق الذي تقع فيه شقة برلنت وشقتي. وفي هذه الليلة بالذات سمعت وأنا أكتب هذه الاسطر أصوات زغاريد آتية من مكان قريب، وبسبب من إنني كنت قد أشرعت النافذة وجلست الى طاولة الكتابة فقد حسبت بان الزغاريد تأتيني من بناية ام حسن أو من البناية الملاصقة لبنايتنا، فتركت القلم (هنا بالذات تركت القلم وعدت الى كتابة الاسطر التالية فيما بعد) ليس بسبب انزعاجي من الزغاريد بل لأن برلنت خطرت في بالي فتصورتها حاضرة في العرس وهي حزينة لأن احدى الجارات تتزوج بينما هي ستظل قاعدة في البيت بعد ان جربت حظها معي وفشلت لأنني أخشى الارتباط بانسانة غير متعلمة.
هناك شيء نسيت كتابته في مذكرات اليوم الأول وهو ان وجه برلنت جميل ولديها أنف دقيق وعينان بنيتان واسعتان كما ان جسمها ممتلئ بعض الشيء، وقد أعجبت بها في بداية سكني في هذه الشقة ولكن بساطتها وشعبيتها جعلتاني لا أفكر بها أكثر من ذلك، فمن المستحيل على واحد مثلي، يرتاد الاوساط الثقافية ويكتب ويلقي المحاضرات عن المستشرقين الاوروبيين الارتباط بواحدة مثل برلنت.
قرع الجرس فنهضت لأفتح الباب وأنا أحسب ان احدى زميلاتي المثقفات قد جاءت لزيارتي فقد كنت أواعد أكثر من واحدة واعتدن المجيء إلي حين تسنح لهن الفرص. لم تكن ولا واحدة منهن بالباب بل كانت الجارة ام حسن وقد أتت وقد صبغت وجهها بالاحمر والازرق لتطلب بعض الكراسي لأن ” عقبيل عندك يا استاذ، اليوم عرس جارتك برلنت”.. تساءلت: “عرس؟” فقالت: “نعم، عرس برلنت الله يهنيها” ثم أخبرتني ان العريس مدرس يعمل في الامارات.
19/8/1995
أمضيت الأيام الثلاثة الماضية في البيت. حاولت بشتى الوسائل ان أراها ولكن دون نتيجة، لذا فقد حاولت أن أكتب وصفا لمشاعري بعد ان ظهر غبائي الفظيع. كتبت وأكتب انني أشعر وكأنني خسرت رهانا أو فرصة غنية أو ما شابه. لا أستطيع ان أصف مقدار شعوري بالخسارة، رغم استغرابي هذا الشعور. كنت انتقل من النافذة فأنظر الى الشارع حيث تقف السيارة على الرصيف بشكل عرضاني، ثم الى باب الشقة فانظر في العين السحرية علها تظهر لدقيقة. كنت أريد مشاهدتها، أو بالأصح كنت أود رؤيتها وهي تراني أراها وهي عروس. كنت أريدها ان تعرف انني مندهش.
استلقيت في الفراش ورحت أفكر. إنها إذن لم تكن تحبني وكل أحاديثها عن الخاطبات مع ام حسن كانت صحيحة. هل كنت أتوهم ؟ لقد سألتني رأيي بخصوص زواجها من المدرس. هل كانت تسعى الى نصيحة أم أنها كانت تحبني فعلا وتعطيني آخر فرصة؟ طيب.. كنت أسعى للخلاص منها، فلماذا أشعر بفقدانها الآن؟ ولماذا بكيتْ عندما شجعتها على الزواج من المدرس؟ أسئلة كثيرة أرقتني كثيرا قبل ان أغفو، وعندما استيقظت كانت قد سافرت مع زوجها المدرس الى الامارات..

صبي الفندق

وضع صبي الفندق حقيبتي على حامل مخصص ثم ابتعد ووقف بكل ادب عند حافة الممر الصغير ينتظر مني منحة بعد ان اشعل المدفأة الكهربائية. في تلك الاثناء كنت اتفحص السرير وعندما انتهيت استدرت فوجدته يقف بشكل مثير للشفقة, فنقدته بقشيشا من عدة قطع معدنية دون ان اعدها فانحنى ثم غادر الغرفة.
بعد خمس عشرة دقيقة افقت من شرودي لأجد نفسي اقف في مكان الصبي اتطلع الى الخارج, عبر النافذة. كان المنظر كئيبا بسب فصل الشتاء الذي نحن فيه. لو كان الفصل ربيعا لتغير المنظر واصبح جميلا وربما اخاذا. انه عبارة عن مساحات شاسعة من الارض الجرداء التي يغبشها ضباب شفاف. لون الارض يميل الى الرمادي كلون سترتي الصوفية. الشيء الذي جعلني اتطلع بشرود نحو الخارج كان شجرة عارية الاغصان تنتصب وحيدة على مبعدة من الفندق. اثر بي المنظر الكئيب فأخذت نفسا عميقا ثم اخرجت الهواء من رئتي على شكل صوت يشبه الانين. ولكي لا اجلس على السرير اقتربت من الحامل وفتحت حقيبتي ورحت اسلي نفسي بافراغها. كنت قد حملت معي من المنزل معظم بياضاتي وقمصاني وجواربي وبعض الكتب وكمية كبيرة من الاوراق البيضاء. رتبت الملابس الداخلية في الجارور العلوي ووزعت باقي ملابسي على الجوارير السفلية ثم علقت بدلتي الاخرى, التي يميل لونها الى الاسود, في الخزانة. اما منامتي فقد وضعتها على السرير. بعد قليل كنت اتشمم رائحة المطهرات في الحمام ثم غسلت اسناني ووجهي وحاولت ان اتبسم لنفسي في المرآة ولكنني لاحظت ان العبوس يريحني اكثر فخرجت الى الغرفة وانا اتفادى النظر الى الخارج محاولا رفع معنوياتي. مع ذلك, استلقيت وانا اشعر بالقنوط. لقد جئت الى هنا لانهاء روايتي التي تهرب مني منذ اكثر من عام. كنت قد زرت الفندق بصحبة بعض الاصدقاء منذ عشرة اعوام. كان ذلك في الربيع وكانت الحقول مخضرة والطقس جميلا فظلت ذكرى الايام التي قضيناها هنا ماثلة في مخيلتي. الشيء الذي دفعني الى المجيء الى هنا للكتابة هو السكينة التي تخيم على المحيط. اما عندما اوقفت سيارتي, قبل قليل, وترجلت منها فقد لاحظت ان تغير الفصول قد يترك تغيرا جذريا على الاشياء وخاصة على الفندق, فقد كانت واجهة الفندق قد هرمت. اغفيت لما يقارب نصف الساعة واستيقظت على نقرات خفيفة على الباب. عندما نهضت شعرت بدوار خفيف اعتدت عليه بعد كل سفرة طويلة. نظرت الى ساعة يدي فكانت الثالثة والنصف, اما النهار فقد كان يتراجع مبكرا مما زاد في شعوري بالندم لأنني تركت غرفتي في المدينة واتيت الى هنا لأتمم رواية منفلتة. فتحت الباب فكان صبي الفندق. سألني بكل أدب ان كنت سأنزل لتناول طعام الغداء. مراقبة وجهه الطفولي وادبه الغريب جعلني اتأخر في اجابتي. قلت له سوف انزل فورا فاستدار وابتعد على طول الممر حتى الدرج. كان الممر مفروشا بالموكيت فلم تكن تسمع خطوات الصبي. ظللت اراقبه وهو يبتعد. كان يرتدي قميصا ابيض نظيفا وبنطالا اسود وحذاء لامعا. كان يبلغ الثانية عشرة وخطواته متزنة وبطيئة نسبة الى الاطفال في سنه. عيناه مستديرتان وسوداوان بينما شعره ينسدل على جبهته حتى حاجبيه. استدار الي قبل ان ينزل الدرج ثم اختفى. ظللت واقفا في الممر مستندا الى فتحة باب غرفتي دون ان افكر بشيء محدد. كل ما هنالك انني كنت امدد شعوري بحلاوة حضور الصبي. نزلت وانا اشعر بجوع خفيف. كانت غرفتي في الطابق الثاني من الفندق المكون من ثلاثة طوابق. توقفت في ممر الطابق الاول برهة علني اسمع حركة تنم عن وجود نزلاء اخرين فلم تلتقط اذناي اي صوت فتابعت النزول. كان صالون الفندق في الطابق الارضي هادئا وسيء الاضاءة كما وجدته حين وصولي, وان كان علي ان اصفه فيمكنني القول انه مستطيل الشكل ونظيف وارضه مكسوة بالسجاد. تقع منضدة الاستقبال في الجهة المقابلة للمدخل وهناك زاوية للجلوس صفت فيها عدة مقاعد وثيرة على شكل مستطيل, الى جانب مدفأة ضخمة تعمل على النفط. لاحظت ان معظم مفاتيح الغرف معلقة في اماكنها المرقمة بطريقة لا تلائم فندقا صغيرا ومهجورا مثل هذا, فقد كانت تبتدئ بالرقم مئة في الطابق الاول ومئتين في الطابق الثاني ونفس الشيء في الطابق الثالث. كنت اود الدردشة مع صاحب الفندق ولكنني وجدته يصلي خلف منضدته فاتجهت الى قاعة الطعام. كانت القاعة خالية تماما ونظيفة, اللهم الا من رجل عجوز محني الظهر يتناول حساءه وقد ارتدى كامل ثيابه بما فيها المعطف وقبعة مبسطة ذات رفراف في الامام. جلست الى مائدة بجانب الجدار وبشكل اواجه العجوز. تسليت بمراقبة الرجل السبعيني. بعد قليل دخل الصبي حاملا طبقا وعندما شاهدني ابطأ في مشيته قليلا ثم تابع باتجاه مائدة العجوز. وضع امامه الطبق ثم راحا يتهامسان برهة. كان الصبي يلصق فمه بأذن الرجل ويحادثه, اما هو فقد كان يهز رأسه اكثر مما يفتح فمه المشغول بالمضغ. استقام الصبي, ودون ان يأتي الي ليسألني عما سأتناول, نظر نحوي برهة ثم عاد الى المطبخ. تابعته حتى غاب خلف الباب. عدت الى النظر الى العجوز. كان منهمكا في مضغ طعامه. كان يبلل قطع الخبز في كأس الماء ليسهل عليه عجنها بأسنانه البديلة. دخل الصبي حاملا صحن حسائي. وضعه امامي بخفة ثم ناولني الملعقة وابتعد. اردت ان اسأله ان كان هو الذي يحضر الطعام ام ان هناك طباخين, فلم اكن اسمع صوتا من المطبخ, الا انني فضلت تناول الطعام فتركته يذهب ليقترب من العجوز. جلس الى جانبه واسند رأسه بقبضته وراح يهمس له. لم استطع التقاط اية كلمة لأن فم الصبي كان قريبا من اذن العجوز. عندما خرجت من قاعة الطعام كان مالك الفندق قد انتهى من صلاته وجلس ناعسا خلف طاولة الاستقبال. كنت احسب انني سأشاهد العجوز جالسا في الصالون, لأنه انهى طعامه وخرج قبلي مستندا الى كتف الصبي, ولكنني لم اجد اثرا له. فكرت ان اسأل المالك عن العجوز وعلاقته بالصبي ولكنني فضلت تأجيل ذلك لكيلا يحسبني فضوليا. استقام المالك في جلسته حين رآني ولكنه لم يكلمني. جلست في احد المقاعد التي تشكل مستطيلا بجانب النافذة. كان الظلام قد حل بكثافة, على غير عادته, بينما القى مصباح كهربائي ضعيف شيئا من النور على مساحة ضيقة خارج الفندق وانعكس على زجاج سيارتي. بسهولة عرفت ان الضباب الخفيف الذي كان يسود المكان في النهار قد زال نهائيا. احسست بدفء لذيذ الى جانبي فاستدرت. كان الصبي يهم بوضع فنجان من الشاي امامي على الطاولة القصيرة. ابتسمت له ولكن عينيه السوداوين المستديرتين اطرقتا. حاول الابتعاد بعد ان وضع طبقا فيه بعض مكعبات السكر, فسألته: ـ ما هو اسمك؟ قال ان اسمه ايوب واستدار فورا ليبتعد فاصطدم بالمالك الذي ابعده عنه بدفعة من يده. جلس المالك على مقعد قريب بينما كنت اتابع الصبي الذي استدار والقى علي نظرة سريعة قبل ان يدلف الى قاعة الطعام. شاهدني انظر اليه فقال المالك: ـ انه من القرية القريبة. ـ ولكنه صغير ليقوم على خدمة فندق. حرك المالك يده بكسل وقال: ـ في الشتاء لا يأتينا زبائن كثر, ثم انه يتيم الاب وامه هجرته وذهبت لتتزوج في المدينة. ترك المدرسة ليعيل جده. ـ وهل ذلك الرجل العجوز جده. قال نعم, ثم شرح لي كيف ان الصبي لا يكلفه سوى طعامه وطعام جده. امضيت فترة اثرثر مع المالك عن الشتاء القارس في هذه الاصقاع الوحشية. نقلت له دهشتي من بنائهم للفنادق في هذا المكان. اخبرته بأنني كنت هنا مع بعض من اصحابي قبل عشر سنين ولكن في فصل الربيع. حاول ان يتذكرني ولكن عبثا. اخبرته بأنه لم يكن هناك زبائن ايضا. لم يجيبني عن تساؤلي حول السبب الذي دفعهم لبناء الفندق في هذا المكان البعيد, فنهضت بعد دقائق, ودعته ثم صعدت الى غرفتي. جلست خلف الطاولة ورحت اتصفح فصول الرواية غير المكتملة. كنت قد قرأتها عشرات المرات بسبب رغبتي المتكررة في متابعة كتابتها فلم اجد في نفسي الرغبة في قراءتها من جديد. كنت احفظ وقائعها عن ظهر القلب. بينما كان عابد, الذي تجاوز الخمسين من عمره, يقطع احدى الحدائق العامة يوما ليختصر الطريق, واذ به يلتقي بسهام. لم يكونا قد التقيا منذ خمسة وعشرين عاما بعد ان فشل حبهما فتزوج هو من ابنة عمه وتزوجت هي من زميل لها في المدرسة الابتدائية التي كانت تعمل فيها كمدرسة. صارا يلتقيان باستمرار فيجلسان على احد المقاعد ليحاكما نفسيهما, من كان السبب في فشل حبهما ولماذا فشل؟ كانا يسترجعان سنوات حبهما ثم السنوات التي اعقبت زواجهما من شخصين آخرين زواجا تقليديا بحتا. هل كانا سعيدين في زواجهما, وكيف ينظر كل الى الاخر بعد كل هذه السنين؟ كانا يحتدان مرة بسبب المصاعب التي يلاقيها كل منهما, ويتلاطفان مرة اخرى حين يتحول الحديث الى اللحظات الحلوة التي قضياها معا في شبابهما. لقد اكتشفا انهما غير سعيدين وانهما لا يزالان يحب كل منهما الاخر. مرت الايام والاسابيع وهما على هذه الحالة. اصبحا ينتظران حلول ساعة اللقاء في الحديقة العامة ليهرعا للمناجاة والذكريات, وفي احد الايام يتغيب عابد. تنتظره سهام طوال الساعة ولكنه لم يأت. ترحل على امل ان تلقاه في اليوم التالي ولتسامحه على تغيبه لأن (الغائب عذره معه) ولكنه لن يحضر لا في اليوم التالي ولا بعده. تعرف سهام بأنه قد توفى بعد ان قرأت نعوته مصادفة. تحزن عليه وتبتئس. لقد رحل بعد ان اعاد نكئ الحب القديم والوحيد في حياتها. تتابع سهام حياتها مع اسرتها, ولكن بعادة جديدة لم تكن تملكها سابقا. اصبحت تطلق تنهدات حارة وعميقة دون سبب معروف. استيقظت صباحا وقد نمت ليلتي بعمق. مستلقيا فترة محاولا التقاط اي صوت سواء داخل الفندق او خارجه, ولكنني لم احصل على دليل على ان الحياة مستمرة. نهضت من سريري لأدخل الحمام. توقفت عند النافذة ونظرت الى الخارج. كان النهار سقيما وباردا والجو هادئا بدون عواصف بينما عاد الضباب الشفاف ليملأ الكون. لا طير يطير ولا وحش يسير والارض عادت لتكتسي بلون فضي مريع. كدت ابتعد عن النافذة لولا ان لفتت انتباهي تلك الشجرة الوحيدة عارية الاغصان. مسحت زجاج النافذة بكم منامتي ثم قربت وجهي منه. اصابتني رعشة في جسدي فقد كان هناك العجوز اياه وقد جلس على كرسي بشكل ادار ظهره المحني الى الفندق دون ان يأبه للصبي الذي كان يرتع ويلعب ويقفز في الهواء الى جانبه. فتحت النافذة غير آبه بالبرودة لأتمكن من معاينة المنظر بشكل افضل. صار الصبي يدور حول جده الجالس, الذي يبدو وكأنه غائب عن الدنيا, بهرولة بطيئة يتخللها دوران حول الذات مفتوح اليدين. شاهدني الصبي فتوقف. اقترب الى محاذاة جده ثم وقف يواجه الفندق الذي كنت اقف في احدى نوافذه المفتوحة دون ان آبة للطقس البارد. ظللنا هكذا فترة. العجوز الجالس والذي لا ارى سوى ظهره المحني, والصبي الذي يقف الى جانبه وانا الذي اقف على النافذة. ما كنت مشدودا اليه هو منظر الشجرة والعجوز والصبي يقف تحت اغصانها العارية وفي الاعلى سماء مكفهرة وفي الاسفل ارض تبدل لونها بفعل الصقيع. شعرت اننا تواجهنا لمدة كافية فاحسست بالبرد فتراجعت واغلقت النافذة. دخلت الى الحمام. وبينما كنت احلق ذقني انتبهت الى ان المنظر لا يغيب عن بالي. نزلت الى قاعة الطعام وجلست الى نفس الطاولة التي احتللتها في الامس. جاء الصبي بالافطار الذي كان عبارة عن خبز التنور وقطعة من الجبن وعدة حبات من الزيتون وشيء من مربى المشمش والشاي. لاحظت ان وجه الصبي لايزال محمرا من برودة الخارج. كان يطرق عينيه الى الاسفل حالما تلتقي بعيني. سألته عن صحة جده فقال انها لا بأس بها. سألته ان كان بامكاني التحدث اليه فقال انه ذهب الى بيته في القرية ثم اسرع في الاختفاء داخل المطبخ. تناولت افطاري بينما كانت صورة العجوز الجالس تحت الشجرة لا تبارح مخيلتي. خرجت الى صالون الفندق وتبادلت الاحاديث مع صاحبه ثم خرجت لأتنشق الهواء البارد. وقفت وظهري الى الفندق اتمعن الشجرة والمقعد المتروك تحتها. ظللت واقفا لعدة دقائق حتى شعرت بقدمي تتجمدان وبعيني تدمعان من شدة البرودة فعدت الى الصالون لأجد صاحب الفندق يصلي فصعدت الى غرفتي وقد صممت على الجلوس للكتابة. سأصف بسرعة ما كنت اشعر به حين فتحت اوراقي وامسكت بالقلم. كنت اشعر بدغدغة حلوة في صدري بسبب الهدوء والصبي وجده والشجرة والطقس الشتائي الرمادي في الخارج. اعدت قراءة عدة اسطر وكانت بالتحديد عن الحديقة العامة ولحظة لقاء بطلي ببطلتي. شعرت انني لا استطيع التواصل مع تلك اللحظة او تخيل تلك الحديقة العامة. كانت صورة الشتاء خارج الفندق والشجرة العارية تلح علي وتجعل حديقتي العامة تافهة. ماذا لو اعدت الكتابة؟ هذا محال, فقد كتبت اكثر من ثلث الرواية. علي ان اعيد ملاءمة مخيلتي مع ما كنت قد كتبته حتى الان. وجدت انني لم اتمكن من كتابة سطر واحد فتركت اوراقي وعدت للنزول الى الصالون لقتل الوقت في الحديث مع صاحب الفندق. تحدثنا عن الطقس وعن القرية وتمكنت من معرفة اين يقع بيت الجد. فكرت بالذهاب لمعاينة البيت ولكن البرد الشديد في الخارج منعني من التفكير بشكل جدي في ذلك. اخبرني ان عروسين من دمشق جاءا يقضيان شهر العسل في فندقه ولكنني لن اراهما في فترة الغداء لأنهما طلبا ان يقدم لهما الطعام في غرفتهما. صعدت الى غرفتي انتظارا لموعد الغداء فاغفيت لمدة ساعة حلمت اثناءها بأحداث روايتي ولكن بشكل مختلف عما كتبته حتى الان. حلمت بأن بطلي كان يجلس في حديقة عامة, رغم البرد الشديد مرتديا معطفا ثقيلا ويحمي رأسه بقبعة عادية بينما انحنى ظهره بفعل تقدمه في السن, فقد كان في السبعينيات. للغرابة كان هناك صبي في الثانية عشرة يلعب الى جانبه. في هذه الاثناء تقترب بطلتي آتية من احد مداخل الحديقة لتخرج الى الجهة المقابلة. كانت هي ايضا امرأة عجوز وربما بلغت منتصف الستينيات. كانت تحمل حقيبة بلاستيكية وتضع على رأسها منديلا صوفيا. حلمت بالمرأة تقترب من مكان الرجل العجوز في مشهد لأشجار عارية تحت سماء داكنة. كانت تسير وهي تنظر الى الصبي وعندما حولت عينيها الى العجوز استيقظت. ظللت لدقائق جالسا في السرير افكر في الحلم وفي وقائع روايتي المكتوبة. كان المنظر يضغط علي ولكنني آثرت النزول لتناول طعام الغداء. كانت مفاجأة حين وجدت العروسين يحتلان طاولة في صالة الطعام. جلست قبالة العجوز وعلى يسار العروسين. كان الشاب يهتم بطعام عروسه التي كانت تتمنع خوفا من ازدياد وزنها. كانا يتهامسان ويبتسمان. اما العجوز فقد كان يمضغ بصعوبة مستغرقا فيما يفعله. لاحظت انه لايزال يحافظ على وسامة ايام الشباب رغم كبر سنه. وبينما كان الصبي يتنقل بين المطبخ والصالة حاملا الصحون الى طاولاتنا انتبهت الى مصادفة غريبة, فقد كان الشاب المتزوج حديثا يشبه الى حد كبير الرجل العجوز. اقترب الصبي من جده وراح يهتم بتليين قطع الخبز ويهمس له بكلمات لم التقط شيئا منها. انهى العروسان تناول طعامهما وخرجا من الصالة. قررت ان انتظر لكي يفرغ الجد من تناول طعامه لأتحدث معه ولكنني وجدت ذلك غير مناسب, فقررت ان انتظره في الصالون. خرجت فوجدتهما يقفان قرب النافذة يتفرجان على السماء الغائمة والارض الجرداء. دعاها للخروج ولكنها ابدت عدم رغبة في ذلك. كانا يضحكان بينما صاحب الفندق يراقبهما بصمت. جلست بجانب المدفأة وانا اتساءل كيف يخطر في بال العرسان ان يقضوا شهر العسل هنا وفي هذا الوقت. دفء الداخل وبرد الخارج اعاد اليهما نشاطهما فتهامسا ثم صعدا الى غرفتهما. ظللت صامتا لأنني لم اكن متحمسا للحديث مع صاحب الفندق, وما هي الا دقائق حتى خرج العجوز من صالة الطعام فنهضت اليه ادعوه لشرب الشاي معي. شكرني واعتذر, عندها طلبت منه مرافقته حتى القرية للفرجة وقتل الوقت فرفع كتفيه وقال كما تريد. تقع القرية على مسافة ثلاثمئة متر من الفندق وهي مكونة من عدد ليس بكثير من البيوت الحجرية ذات الاسقف البيتونية. كان منظرها كئيبا واشجارها عارية وتخلو طرقاتها من الناس تقريبا. سرت مع العجوز مسافة ولكنه ظل صامتا, عندها حدثته عن تهذيب حفيده البالغ وعن اهتمامه الشديد بجده. سألني عن مهنتي فلم اقل انني كاتب بل اكتفيت بالعموميات فلم يسألني كم اربح بل دعا لي بالرزق الوفير. قرب بيته خرجت عن تحفظي وسألته عن كنته التي تركت ابنها وذهبت الى المدينة لتتزوج. توقف لينظر في وجهي. كدت اعتذر عن تطفلي الغبي ولكنه عوضا عن زجري دعاني الى الداخل فدخلنا وكان البيت دافئا جدا ورطبا فقد كان هناك قدر كبير لسلق البطاطا فوق الموقد. كان البخار يتصاعد بكثافة وهذا ما دفعه على ما يبدو لرفض دعوتي الى الشاي في الفندق. انزلت له القدر ثم قمت بتحضير الشاي وجلسنا نحتسيه بينما كان يحدثني عن الماضي. قال ان ابنه كان قد احب امرأة من القرية المجاورة ولكن اهلها ابوا ان يزوجوها له لأنهم كان عليهم ان يسدوا دينا قديما الى احد الاقارب فزوجوها له على ان يصبح الدين مهرها. حزن الشاب وابيض شعره وزهد بالحياة واطلق لحيته. ظل على هذه الحال مدة, ثم قرر ان يتزوج من فتاة جميلة من بنات القرية فرزق منها بهذا الصبي ايوب الذي يعمل في الفندق. بعد مدة بدأت بعض الاقاويل تشاع حول لقاءات كانت تجري بين ابنه وتلك المرأة من القرية الاخرى. قالوا انهما شوهدا جالسين وهما يتحدثان, مجرد لقاءات للحديث فحسب تتخللها زفرات وبعض الدموع التي كانت تطلقها المرأة, فقد كانت تشاهد دائما وهي تمسح عينيها. وفي احد الايام اصيب الرجل بعوارض غريبة, قد تكون مشابهة لحالات التسمم, ومات. هناك من يقول ان زوج المرأة هو الذي دس له السم ولكن, من يعلم.. الله وحده يعلم. حل صمت القبور على البيت فمكثت لحظة ثم نهضت وودعته وخرجت. كنت اعرف باقي الحكاية. سرت حتى الفندق وقد نسيت شد معطفي على جسدي دون ان اشعر بالبرد, فقد كنت شاردا بين احداث روايتي وبين قصة العجوز. لم انتظر حتى اليوم التالي, فقد صعدت ولملمت اوراقي وحزمت حقيبتي وطلبت الحساب من صاحب الفندق الذي استغرب قراري المفاجئ. جاء الصبي ليحمل لي الحقيبة الى السيارة. كان حزينا. منحته بقشيشا مجزيا ثم قبلته على رأسه وشكرته لأنه يهتم بجده. ابتعدت بالسيارة, وقبل ان يطوي المنحدر الفندق, شاهدت الصبي لايزال يقف يراقبني ابتعد. غاب الفندق خلفي وغابت الشجرة عارية الاغصان ولكن يوما واحدا في هذا الفندق جعلني مشوشا. قررت ان اعود للكتابة حالما اصل بيتي ولكن, حتى الان لم اكمل تلك الرواية, ويبدو انني لن اكملها. ربما سأعيد كتابتها يوما.

صورة وثوب حرير وقارورة عطر

في إحدى المرات, وبينما كان أصحاب البيت غائبين, استطاع احد اللصوص الوصول الى فرندة الطابق الثاني بخفة ونشاط ثم قام بقص دائرة في زجاج الباب تتسع ليده بوساطة أداة خاصة ودخل الى الشقة. انتقل فوراً الى غرفة نوم الزوجين وراح يعبث في الخزانة والجوارير باحثاً عن المصاغ والمجوهرات, الا انه أثناء ذلك وجد الخزانة مملوءة بثياب الزوجة الحرير فوقف يتشممها ثوباً ثوباً فتملكه سحر طغى على قلبه فرَّق حاله. أمضى وقتاً طويلاً وهو يفعل ذلك, إلا انه تذكر ما جاء من أجله فترك الثياب وعاد للبحث عما خف وزنه وغلا ثمنه, فانتقل الى الخزائن الأخرى وقبل أن يفتحها وجد بروازاً فيه صورة امرأة مركوناً بجانب السرير فجلس وقرّب البطارية التي كان يستعين بها لإنارة طريقه وراح يتمعن في الصورة.
كانت المرأة في الصورة غريبة الجمال, تشع سحراً لا يمكن تفسيره سوى بسبب جمال عينيها ودقة أنفها وأناقة تسريحتها. كانت المرأة تبتسم بسعادة من دون أي تصنع أو تظاهر. اكتشف اللص سر سعادتها في جمالها وصحتها. كانت في منتصف العشرينات من عمرها, شقراء الشعر ويفتر فمها عن أسنان بيض مرصوصة لا شائبة فيها. ظل الرجل يتمعن في رسم المرأة حتى أنه نسي نفسه. منذ مدة طويلة لم تسحره امرأة مثل هذه, بل قل انه لم يسبق له أن وجد نفسه مسحوراً في هذا الشكل في سنينه الأربعين كلها. حياته كلها قضاها في جو من القباحة, فقد نام في السجن ست سنين لم يشعر خلالها بأية بهجة مصدرها جمال أو رقة أو نعومة. كما أن أمه (رحمها الله) كانت سليطة اللسان وبشرة يديها خشنة وموجعة حين كانت تصفعه, وكان وجهها نحيلاً وشفتاها مزمومتين لا تنفرجان إلا عن صراخ وعويل وشكوى. أما نفيسة التي ورطته بنفسها فتزوجها فقد كانت لئيمة وصاحبة مشكلات حتى انها طلقته وهو في السجن.
كان ثوب نوم المرأة الحرير مركوناً على السرير فقرَّبه منه وراح يتلمس نعومته وهو يتابع النظر الى الصورة. وجد نفسه يحلِّق في ملكوت من النعومة والسكون والجمال, ولكي يعيش اللحظة في شكل كامل أمسك بالثوب وراح يتشممه وهو يجمع نسيجه بيديه على وجهه بينما كانت امرأة الصورة تبتسم له. شعر بحنان طاغٍ فنسي بريق الذهب فنهض ودس الثوب والصورة وقارورة عطر نسائي لطيفة التصميم في حقيبته الصغيرة المعلقة على كتفه ثم خرج بالطريقة نفسها التي دخل بها.
شغلت المرأة ذهنه, بل قل انه أحبها. صار كل ليلة يطفئ النور المبهر ويترك مصباح الحمام مشعولاً (لم يكن يملك مصباحاً ليلياً) ثم يتمدد على سريره ويغرق في تلمس أشياء المرأة وشمّها والنظر اليها. في الواقع أصبح ينتظر الليل بفارغ الصبر لكي يعود الى طقسه. من وقتها أصبح أكثر ليونة وأكثر هدوءاً وصار يتلاطف مع أطفال العمارة ويمنحهم الفرنكات. ثم اشترى شريطاً لفيروز وأضاف أغانيها الى طقسه الليلي وأصبح كثير التنهد.
بعد مدة جد نفسه مدفوعاً الى الشارع الذي يقع فيه بيت المرأة والذي دخله ليسرقه. كان يريد أن يكحّل عينيه برؤية صاحبة الصورة وجهاً لوجه. تحمم وقص شعره وحلق ذقنه عند المزين “قصر الملوك” ثم ارتدى قميصاً نظيفاً ولمع حذاءه وانطلق. كان الشارع هادئاً في وضح النهار وليس مثل حارته التي بدأ يزهق من ضجيجها, أما البناية التي يقع في طابقها الثاني بيت المرأة فقد كانت أنيقة ونظيفة وذات ألوان محببة. صار يروح ويأتي أمام البناية ولكن الفرندة اياها ظلت مغلقة. لاحظ, بنظره القوي, انهم قد أصلحوا زجاج بابها. لم يشعر بأسف في داخله لأن اقتحامه بيت المرأة أتاح له تلك المشاعر التي بدأ يحس بها في نفسه. ثم انه لم يسرق “حبيبته” ولم يستول على مصاغها وكل ما فعله انه استعار منها ثوب نومها الحرير وصورتها وقارورة عطرها. وجد مكاناً ظليلاً يستطيع منه رؤية فرندة المرأة, فوقف فيه وراح ينتظر. كان كل شيء هادئاً ومسالماً يشبه الى حد بعيد السلام الذي كان يشعر به وهو يحتل كيانه. لو سأله أحد ما في تلك اللحظة عما به لقال انه عاشق, وان العشق جميل وان المرأة هي أجمل ما في الكون. إلا أن صوت محرك سيارة مقبلة من الخلف عكر عليه أحلامه, بخاصة حينما توقفت بطريقة رعناء, ونزل منها ثلاثة رجال يحملون المسدسات. حين ذلك استفاق ليجدهم يمسكون به بطريقة آلمته في شدة ثم أدخلوه برعونة في السيارة فتمزق قميصه. أجلسوه في الوسط ووضعوا يديه في الكلبشات وراح أحد الرجال يضغط على عنقه بقوة ثم انطلقت السيارة.
ارادوا اثناء التحقيق معه في قــسم الشرطة ان يشير الى المكان الذي خبأ فيه المجوهرات التي ادعت المرأة انها فقدتها تلك الليلة.