رحلة العودة لكايد الفلسطيني وما جرى له من أمور

أعوذُ باللهْ ماذا يحصلُ للناسِ حتى يتغيروا بين ليلةٍ وضُحاها أو بين ساعةٍ وساعةْ ، إذْ أنَّ الرجلَ صاحبَ البيتِ كان سهرانْ عندَ كايدَ الفِلَسطيني وشَرِبَ الشايَ حتىانتفخَ رغمَ أنَّهُ كان منفوخاً وصعدَ إلى كايد وطرقَ البابَ وقالَ له يا أبو يونس أنا ضجران وأحبُّ أن ألعبَ معكَ دقَّ طاوِلة ونتحدثُ في السياسةِ ، فأدخله كايد بعد أن أخذ له الطريق فجلسا متقابلين وفتحا الطاولة فوجدا أنَّ أحد الزهرين كان ضائعاً فزحفا تحت الكراسي وطاولة التلفزيون بحثاً عنه إلا أنهما لم يجدا شيئاً ، إلا أنَّ صاحب البيت قعد غاضباً ولم يرحل ولم يتحدث في السياسة وكل ما كان يفعله هو أن يقرقر ببطنه حتى قرف كايد الفلسطيني فوق قرفه الأصلي فنصحه بشرب الشاي فقال له صاحب البيت واللهِ فكرة ، اذهب واصنع لنا إبريقاً لنشرب ونرتاح ، فصنع له كايد ما يريد ثمَّ قعد الرجل يملأ قدحه كلما فرغ حتى راح يتجشأ فأصاب القرف كايداً من جديد وقال ارتحنا من جوفه فوصلنا إلى سفله حتى أتى على آخر نقطة في الابريق عندها نهض واعتذر أنَّ عليه أن يرحلَ رغمَ أنهما لم يتحدثا بعد إلا أنَّه طمأنَّ كايد أنَّه سيعود في الغد لهذه الغاية ، وعندما عاد في اليوم الثاني وطرق الباب وفتح له كايد ، وجدهُ محمرّ الوجه وشارباه يرتجفان ، فقال له خيراً إن شاءَ الله فقال صاحب البيت خيراً واللهِ العظيم ولكن يا أخ عليكَ أن تسلمني البيتَ غداً لأنني في حاجةٍ إليهِ ، فسأل كايد ماذا حصلَ كي يطردَهُ من البيتِ ألا يكفي أنَّهم أخذوا بيته وأرضهُ وطردوهُ من بلدهِ وعاش في خيمةٍ ثمَّ اضطرَّ إلى استئجارِ البيوتِ واحداً بعدَ الآخر وما زالَ يطرَدُ من كلِّ بيتٍ يسكُنُهُ حتى اليوم . إلا أنَّ الرجل كشَّرَ في وجههِ وأنذرَهُ أنَّهُ سيبلِّغ البوليسَ إنْ لم يسلمْهُ البيتَ فارغاً في صباحِ اليومِ الثاني ، فأذعنَ كايد إلا أنَّ امرأتهُ لم تُذعِنْ بسهولة فقعدتْ تبكي وتصفعُ نفسها وتدقُّ على صدرها وهكذا فعلَ الأولادُ الثمانيةُ الذينَ أمضى أبوهم عشرةَ أعوام يعمل بجد معَ أمهم حتى جاءَ بهم إلى هذه الدنيا التي لاتساوي عندهُ قشرةَ بصلة ، إلا أنَّ كايد يعرف دواء امرأته فحلفَ عليها بالطلاق ثلاثاً إن هي لم تمسح دموعها وتكفَّ عن البكاء مع أولادها الثمانية فاصفرَّ لونها وما هي حتى ساعة حتى كانت قد جمعت أخفَّ الاشياء وحزمتها في بقج وصُرَرٍ أما زوجُها فقد حملَ الكراسي الستة والتلفزيون والطربيزات والسرير وباقي الاشياء الثقيلة ووضعها على رصيف البناية وقد أمرَ أحد أولاده بحراستها ريثما ينتهي من جمعها ومن ثمَّ استأجرَ عربة وحملها إلى مكان آخر رغمَ أنَّه لم تكن لديهِ أية فكرة عن ذلك المكان ، ولم يسأل نفسهُ أين سيرحلون بها إلا بعدَ أن ملأ الرصيف بأشيائه تلك فأصابهُ إحباطٌ كبيرٌ وخوفٌ من حملِها إلى هنا وهناك فقعدَ على الرصيف بجانب التلفزيون وجمعَ رأسهُ بينَ يديهِ مفكراً ساعةً كاملةً ولكنَّهُ لم يجد حلاً مناسباً فراح يشتمُ ويبصقُ ويضربُ نفسَهُ مثل زوجتِهِ التي حَلَفَ عليها بالطلاق للسبب ذاتِهِ فشاهدهُ أولادُ الحلالِ فركضوا وخلَّصوا نفسَهُ من نفسِهِ وقالوا له اتقِ الله يا أخ إنَّ لنفسِكَ عليكَ حقاً فهزَّ رأسَهُ وقد هدأ ظاهراً إلا أنَّهُ بقي متفجِّراًفي داخله وعندما رحلوا صعدَ إلى البيت والتقطَ صفيحة الكاز ثمَّ نزلَ وصبَّها على التلفزيون والفرش والسرير والكراسي والطرابيزات ثمَّ أشعلها وقعدَ يتفرَّج على النيران وهي تلتهمها وتحولها إلى رماد . عندها شعرَ كايد براحةٍ كبيرة في نفسه حتى أنَّهُ ابتسم حتى قالوا أنَّهُ جُنَّ ، وعندما وصلت سيارة الاطفاء كانت النيران قد خمدت وراحت الاشياء تعسُّ دخاناً وَحَسب وعندما سألَ شرطيٌّ عن سبب الحريق رأفَ أولادُ الحلالِ بكايد الفلسطيني وقالوا للشرطي أنَّهُ قضاءٌ وقدرٌ ، وما إن رحلَ الشرطي ونَزلَت أم يونس وأولادُها الثمانية حاملينَ البُقَجَ والصُرَرَ وبعضَ الاطعِمَةِ ووجوهُهُمْ محمرَّةُ وعيونُهُمْ منتفِخةٌ حتى سألَ أولاد الحلال كايد ، لماذا يا أخونا أحرقتَ عفشك وإلى أين أنت راحلٌ وما هيَ وجهتُكَ ولماذا لا تبقى معنا وكثيراً من هذه الأسئلة التي لم يعد لها طعمة عند كايد الفلسطيني ، فخرجَ مرة واحدة عن صمته وغيظه وقالَ لأولاد الحلال بصوتٍ نصفهُ صمتٌ ونصفهُ غيظ إننا عائدون فاستغربَ الناس مقولته هذه وحكُّوا رؤوسهم وحسبوا أنَّهم لم يفهموا ما قاله بالتحديد إلا أنَّ كايد الفلسطيني ، وأمام مارآه من خبل الناس أعاد عليهم ماقاله مرةً ثانيةً ولكن بصوتٍ أكثر جهارة إننا عائدون فأصابهم العجب أيضاً وقبلَ أن يجنوا وحفاظاً على عقولِهم من الضياعِ ابتسموا مرَّةً واحدةً وهَمَسُوا لبعضهم أنَّ كايد الفلسطيني قد جنَّ وفقدَ عَقْلَهُ وصفقوا يداً بيد وقالوا بصوتٍ واحد كأنَّهُم جوقةٌ في مسرح : حسبنا الله ونعمَ الوكيل ، وعندما أفاقوا إلى أنفسهم وجدوا كايداً قد سارَ في المقدمة تتبعه امرأتُهُ ومن ثمَّ أولادُهُ الثمانية حسب ترتيب الأكبر فالأصغر وما هي إلا لحظاتٍ حتى غابوا عن عيونهم ، عندها رفعَ الجميعُ أياديَهُمْ إلى السماء وعادت الجوقة لتقول بصوت واحد : ربنا احفظ كايد الفلسطيني وعياله وسهِّل له عودَتَهُ .. آمين .
ساروا طوال النهار ثمَّ ارتاحوا قليلاً في الليل ثمَّ نهضوا وحزموا صررهم إلى ظهورهم وانطلقوا من جديد على أضواء المشاعل التي كانوا يحملونها غير عارفين كم ساروا بل كانوا يعرفون إلى أين يسيرون ، كانت أرض تشيلهم وأرض تحطهم حتى وصلوا إلى ضفة نهر عظيم لاتُرى ضفتهُ الأخرى لاتِّساعِهِ فانزلوا أحمالهم واغتسلوا ثمَّ قعدوا يحاولون اصطياد السمك وبعدَ ساعاتٍ طوالٍ لم يحصلوا إلا على عدة سمكاتٍ صغارٍ بطول الاصبع لا تسد جوع طفل فبصقوا على النهر الذي لا تتناسب عظمته مع حجم أسماكِهِ ثمَّ وقَفَ الذكورُ منهم صفاً واحداً وبالوا فيه ، وبينما هم هكذا وإذ بهم يسمعون زعيقاً عالياً يصمُّ الآذان ويجمِّدُ الأوصال فهرعوا راكضين مبتعدين عن النهر غير عارفين بما يجري ومن زعقَ تلك الزعقة فاختبأ الجميع خلف صخرةٍ كبيرةٍ وراحوا ينظرون إلى النهر الذي انشقَّت صفحتهُ عن حيوان عملاق بثلاثة رؤوس وله ذنب طويل وغليظ يضرب به الماء ليصنع به أمواجاً عالية ، ثمَّ راحَ الحيوانُ الذي اسمه التنين يقترب من الصخرة التي اختبأ خلفها كايد الفلسطيني وامرأته وأولاده الثمانية وهم يرتجفون بعد أن بالوا مرةً ثانيةً في سراويلهم ، مغمضين أعينهم ينتظرونَ الموتَ الأكيدَ الذي كَتَبَهُ الله لهم على أيدي هذا الحيوانِ الغليظ ذي الرؤوس الثلاثة ، إلا أنَّ كايداً خجل من نفسه ففتحَ عينيه ليجد أحد رؤوس التنين يرنوا إليهم من الأعلى وكانت العين الحمراء للوحشِ قريبةً جداً من الصخرة فشعرَ كايد أنَّ عليهِ أن يفعل أيَّ شيءٍ ولو كان بلا طعمةٍ أمام جبروتِ الوحش فالتقطَ حجراً وصرخَ صرخةً عظيمةً ارتعدَ لها أهله ففتحوا عيونهم هذه المرة ليجدوا كايد يقذف الحجر نحو الرأس البشع ، فأصاب الحجر العين الحمراء فاخترقها وكأنَّها مصنوعة من المهلبية ، فجُنَّ جنون التنين وراحَ يصدر لهيباً عظيماً من النار ويصرخ بأفواهه الثلاثة صوتاً حسِبَ كايد أنَّ السماء قد انشقت عن غضبِ الله فصاحَ كايد في عياله ليركضوا خلفه للاختباءفي مكان آخر ، وبينما هم كذلك وإذ بالوحش يلتقط بإحدى أيديه الكثيرة ولداً وينشغل به عن الآخرين ، فوضعه على صخرةٍ وراحَ يطلق عليهِ لهيباً نارياً فشواهُ ثمَّ راحَ كلُّ رأسٍ يقضُمُ منهُ قضمةً حتى انتهى بثلاث قضماتٍ ، ثمَّ وضعَ الوحش يداً على عينه المفقوءة وعاد إلى النهر وهو يزأر ويئنُّ ، بينما كانت أم يونس تبكي وتئن لفقدان ابنها وكذلك فعلَ اخوته السبعة حتى نضبت مآقيهم من الدموع ، أما كايد الأب فقد كان حزيناً جداً وقد أصرَّ على عدم البكاء وجلسَ ينتظرانتهاء عزاء امرأته وأولادها وعندما عيل صبرهُ صرخَ فيهم وطلبَ منهم النهوض لاستئناف المسير فاقتربوا من ضفة النهر بحذر شديد والتقطوا الصُرَرَ وعلقوها على ظهورهم وساروا من جديد عدة أيام بمحاذاة النهر مبتعدين عن مكمن الوحش حتى شاهدوا قارباً يقودهُ شيخٌ جليل فناداهُ كايد ، وما إن اقتربَ الشيخُ منهم حتى سألهم هل أنتم الذين فقأتم عين الوحش فقال كايد : أي نعم ، فنزل الشيخ عن قاربه ثمَّ سجد أمام كايد الفلسطيني وهو يبكي ويقبل الأرض التي يدوس عليها فأسرع كايد فالتقط الشيخ وأنهضه ثمَّ مسحَ دموعهُ وطلبَ منهُ أن يحكي لهم حكايته فقال الشيخُ حمداً لله على وصولِكَ أنت وعيالكَ ، فلقد تسلَّطَ على بلدتنا ملِكٌ ظالِمٌ يسرُقُ للناس أموالهم ويقطع رؤوسهم ويستبيحُ نساءهم ويقولُ أنَّ الوحش يحميه ويؤيِّدُهُ في أفعاله كما أنَّه يسوقُ كلَّ يومِ سبتٍ صبيةً عذراءَ من نسائنا ويقدمها هديةً للوحش ليلتهمها ، وقد ذهبنا إلى الحكيم الساحر لنشكوا له أمرنا فقال إننا لن نتخلص من الملك وظلمه إلا عندما نفقأ عيناً للتنين وها أنت قد فعلت ذلك ، ثمَّ خرَّ الشيخ ساجداً من جديد وراح يقبل حذاء كايد الذي خجل واحمرَّ وجهه وسألَ الشيخُ أن يساعدَهُم في اجتياز النهر إلى الضفِّة الأخرى فراح الشيخ يهلِّلُ ويقولُ : غالي والطلب رخيص واستمرَّ في ترداد جملته هذه حتى نقلهم جميعاً إلى الضفة الأخرى ، وعندما همَّ كايد لوداع الشيخِ احتضنهُ هذا وراحَ يدعوَ اللهَ أن يوفِّقَهُ في عودته ثمَّ مدَّ يدهُ إلى كيسه وأخرجَ مصباحاً مذهَّباً وقدَّمه هديَّةً إلى كايد كذكرى لهذا اليوم العظيم الذي اجتمعوا فيه ، فالتقطهُ كايد ثمَّ ودَّعَ الشيخ وانطلقَ من جديد في رحلته تلحَقُهُ امرأتُهُ وأولادُه السبعة .
ظلوا يسيرون هكذا سبعة أيام بلياليها حتى وصلوا إلى جبلٍ عالٍ لا يستطيع أي ابن آدم مشاهدة قمته لعُلُوِّها وكان هذا الجبل هو الجبل الاسود وقد سمي هكذا بسبب لونه المخيف وبسبب المصير الاسود لكلِّ من يحاول تسلُّقَهُ إلا أنَّ كايداً رفض الانصياع لتوسلات زوجته التي راحت تبكي وتذرف الدموع كعادتها طالبةً منه عدم تسلقهِ والاكتفاء بالدوران حولَهُ ، وعندما أصرَّتْ أم يونس على موقفها ذاك نهض كايد وحلف عليها بالطلاق ثلاثاً إن هي استمرت في اللغو والبكاء والتوسُّلِ ، عندها وقفت أم يونس مصفرَّة الوجه من جديد والتقطت صرَّتها وسارت خلف زوجها يتبعها أولادُها وراحوا يصعدون الجبل القاسي شديدَ المنحدرات وبينما كانوا يزحفون على علو شاهق في أحد الممرات التي لايزيدُ عرضُها عن المترِ الواحدِ سمعوا صرخاً غريباً لطيرٍ عجيبٍ ، وعندما تطلَّعَ كايد إلى الأسفل لمعرفة مصدر الصوت لم يستطع أن يتبين القاعَ بل شاهدَ الغيومَ تسير كالقطيعِ في الأسفلِ ، عندها حسبَ أنَّه يتخيَّلُ ما سمعَ ولكن لم تمضِ دقائقٌ حتى عاد الصوت بشكل أقوى ومتواصل فارتعدت أواصلُ أم يونس وأولادها فانكمشوا في أماكنهم يحتضنون الممرَّ الضيق ، وماهي إلا لحظات حتى شاهدوا ظلَّ طيرٍ هائلٍ ذي منقار طويلٍ وجناحينِ لايكسوهما ريشٌ بل غشاءٌ سميكٌ ، وطارَ الطيرُ حولهم يعاينهم وهو يحجب عنهم السماء كلها لضخامته ، ثمَّ حاولَ مهاجمتهم لالتقاطهم بأصابع قدميه الهائلتين إلا أنَّ جدار الجبل الأسود كان يمنعه من ذلك بحيث أنه كان يرتطم فيه دون جدوى ، وظلوا هكذا لساعاتٍ لايعرفون ما يفعلون حتى رأى كايد الفلسطيني أنَّهم إذا زحفوا من جديد فإنهم سيصلون إلى كهفٍ على بعد مائة ذراع فأمرَ زوجته وأولاده بالزحف فانصاعوا دون بكاء أو توسلٍ ، وبينما كانوا يمرون في أضيق مكان زاحفين بسرعة والطير مستمر في مهاجمتهم ويحاول التقاطهم بمنقاره الطويل ، سمع كايد صرخة آتية من الخلف ثمَّ من الأسفل فنظر باتجاه الصوت فوجد اثنين من أولاده يسقطان في الهاوية فصرخ كايد بدوره لايعلم لماذا وهو يرى جسدي ولديه يسقطان ثمَّ يلتحمان بالغيوم ثمَّ رأى إلى الطير كيف هوى إلى الاسفل لاحقاً بالولدين ليلتقطهما ويعود إلى الأعلى ليلتهمهُما ، وأمام هذا المنظر رفض كايد البكاء بل راح يصرخ على امرأته الزاعقة والباكية يأمرها لمتابعة الزحف ولكسب الفرصة حتى وصلوا إلى الكهف فدخلوه ، وما إن أنزلوا صررهم حتى جحظت أعينهم من المفاجأة إذ وجدوا الكهف كله مليء بتماثيل حجرية لرجال ونساء وأطفال في أوضاع الوقوف والجلوس والرقاد فاقتربَ كايد منها وراحَ يعاينها غير عارف سبب وصولها إلى هنا وبينما كان يفعل ذلك وإذ به يسمع صوت أحد أولاده الخمسة الباقين يناديه فهُرِعَ إليه ليجد أنَّ الطير يتسلَّق الجبل بواسطة رجليه قادماً نحو الكهف لالتهامهم فقعدَ كايد محتاراً هذه المرة ماذا يفعل فهو الرجل الوحيد ، وبرقبته زوجة وأولاد ، وعليه أن يتصرَّف بأسرع من البرق ، فهل عليهم أن يخرجوا من الكهف والزحف من جديد أم يمكثوا فيه ويقاوموا الطيرَ وخصوصاً أنَّهُ لايستطيعُ الدخول إلى الكهف ، ولكن تذكَّرَ كايد أنَّ للطير منقارٌ طويلٌ يستطيع به أن يلتقطهم الواحدَ بعدَ الآخر ويلتهمهم فما العمل ؟.
عندها نهضَ وقرر أن يفعل أي شيء ولا يستسلم لهذا الطير الغبيِّ المصر على التهامهم ، فالتقطَ ثمثالاً وأسقطهُ على الأرض وراحَ يدحرجُهُ حتى مدخل الكهفِ ، ثمَّ وعندما حانت اللحظة المناسبة أسقطهُ على الطير الذي حاولَ الابتعاد عن جدار الجبلِ الأسودِ لتفادي التمثال الحجري الساقط من الأعلى إلا أنَّ ذلك لم يسعفه فسقطَ الحجر على صدر الطيرِ ليسقطا بعدَ ذلك في الهاوية وعندما مرَّت دقائق طوال دون أن يعود الطيرُ إلى الصعود عرفَ كايد أنَّهُ تغلَّبَ على هذا الوحش فقعد مُغمَضَ العينين وهو يشعر بنشوة عظيمة ، ولم يعرف كم مضى عليه وهو كذلك حينما شعرَ بامرأتهِ تهزُهُ وقد انعقدَ لسانُها ولا تستطيع الكلام، فحسِبَ أنها عادت من جديد إلى عادتها السيئة في البكاء والنواح وكاد أن يحلف عليها أيضاً قبل أن ينظر إلى نفس المكان الذي كانت تشير إليه في داخل الكهف فرأى إلى التماثيل الحجرية وهي تتحول إلى آدميين حقيقيين فانعقدَ لسانه هو أيضاً بينما كان الرجال والنساء والأطفال يتلمسون بعضهم غير مصدقين أنَّهم عادوا بلحم ودم بعدَ أن كانوا أحجاراً وعندما شاهدوا كايداً الفلسطيني وامرأته وأولاده الخمسة اقتربوا منهم وسألوا كايداً فيما إذا كان فلسطينياً ، فاندهشَ كايد من العجب الذي أصابه بسبب معرفتهم بأصله وفصله فقال لهم نعم فراحوا يسجِدُنَ له ويقبلونَ الأرض تحتَ قدميه وهم يبكون ويقولون له أنَّ الله قد غضبَ عليهم يوماً من الأيام قبل آلاف السنين بسبب صراع الأخوة فيما بينهم فحكم عليهم بأن صيَّرَهُم إلى حجارة وجعلَ عليهم حارساً رهيباً وهو طيرٌ من الوحوش وأنَّ الله أعلمهم أنَّه سيفُكُ أسرهم ويعيدهم إلى ما كانوا عليه من لحم ودم على يد فلسطيني يصعد الجبل الاسود الذي لم يخطر ببال أحد صعوده لصعوبته وللمصير الأسود الذي ينتظر كل من تسوّل له نفسه تسلقه وأنَّ هذا الفلسطيني سيقوم بقتل الطير عندها سيرضى الله عنهم على أن لا يعودوا إلى صراع الأخوة فيما بينهم ، ثمَّ شكروا الله ووعدوه أن لا يعودوا إلى ذلك ثمَّ سألوا كايداً إذا ما كان يريدُ أيَّةَ خدمةٍ فهو منقذهم وسيِّدهم فقال لهم أنَّه في طريق العودة وجلَّ ما يبتغيه هو أسرع طريقة للنزول من هذا الجبل اللعين فصاحوا غالي وطلبٌ رخيص ثمَّ قالوا له هيا بنا فنهض كايد وامرأته وأولاده وساروا خلفهم داخل الكهف حيث كان هناك ممر سري يفضي إلى طريق أسهلٍ وأعرضٍ فساروا فيه ثلاثة أيام حتى وصلوا إلى السهل وهناك توقفوا ليودِّعوا أهل الكهف الذين اقترب واحدٌ منهم من كايد ومدَّ له خاتماً فِصّه من الزمرُّد الأزرق وقدَّمه له هدية ثمَّ قال له ، هذه هديتنا لك فأنت منقذنا ثمَّ عانقه وظلوا واقفين حتى غاب كايد وامرأته وأولاده الخمسة عن أعينهم .
راحت أم يونُس تخبُّ خلفَ زوجها وهي تحمدُ الله أنَّهم قد تخلصوا نهائياً من الجبل ومشاكله ولم تكن لتنسى الترحم على أولادها الثلاثة الآخرين الذين التهمتهم الوحوش بصوتٍ عالٍ فكان يسمعها تفعل ذلك دون أن يتدخل ، فهو يكفيه انها لاتبكي وتنوح وتتوسل ، كعادتها وعادة كل النساء في هذه الدنيا مما جعلَ سيرهم المتواصل في السهلِ سبعة أيامٍ أخرى على أحسن ما يرام ، وعندما وصلوا إلى أطراف غابةٍ عظيمة وممتدة في كل الأطراف قرروا أن يدخلوها دون إبطاءٍ فلم يكن لديهم وقتٌ لإضاعته ، فساروا فيها ثلاثةَ أيام بلياليها ، وهم يصارعون أسراب البعوض والذباب وزنابير الغابات ويخوضونَ في المستنقعات الآسنة ليخوضوا من جديد صراعاً ضد الطحالب الدبقة التي كانت تلتصق بثيابهم وجلودهم وضد الأفاعي والسحالي الضخمة ، وما إن تخلصوا من المستنقعات حتى شقّوا طريقهم من جديد بين الأغصان المتشابكة غيرَ آبهين لكل المفاجآت غير السارة التي كانت تختبئ فيها ، وبينما كانت أم يونس تقول أنَّ الجبل الاسود كانَ رحيماً أكثرَ من هذه الغابة اللعينة، كان كايد يقطع آخر الأغصان ليجدوا أنفسهم بعد ذلك في ساحةٍ داخل الغابة تحيطُ بها الأشجارُ من كلِّ جانبٍ ولا يُرى فيها سوى الأحجار والأعشاب وقد خلت من أية شجرة فحمدوا الله وقرروا أن يستريحوا فيها ليلةً بعدذلك العناء الكبير والجهد العظيم اللذين بذلوهما في الأيام الثلاثة الماضية ، وهكذا أنزلوا عن ظهورهم صررهم وبقجهم ثمَّ أشعلوا النار وقامت أم يونس بتحضير الطعام وكان بالمناسبو كبة مقلية بالزيت وذلك نزولاً عند طلب زوجها كايد الذي كان يشتهي الكبة في ذلك الوقت ، ثمَّ دخَّنَ كايد سيجارةً وطلبَ من أولاده الاستلقاء من أجل النوم ، وهذا ماكانوا فعلاً راغبين به ، فناموا من فورهم ، عند ذلك وجدَ الفرصة مناسبة فطلبَ من امرأته الاستلقاء إلى جانبه ، فقد كانت نفسه راغبةً بها بعد كلِّ هذا التعب وبعد الكبة والسيجارة ، ثمَّ نام ونامت أم يونس بعد أن ألقت إلى النار ببعض الحطبات لتبقى مشتعلةً حتى الصباح ، وبما أنَّ المرأة هي المرأة دائماً وبما أنَّ أم يونس لا تنتظر انتهاء الأحلام السعيدة لتوقظ زوجها فقد شعرَ بها تهزه لتوقظه وهي تتوسل إليه أن يفتح عينيه فشتمها ثمَّ جلس وكاد أن يقول لها شيئاً غير مبهج عندما شاهدَ أولاده متكومين حوله وهم يرتعدون خوفاً وقد اصفرَّت وجوهُهُمْ فنظرَ إلى حيث كانوا ينظرون فرأى مئات الرجال المتوحشين يحيطون بهم من كلِّ جانب وهم عراة لايستر عوراتهم أيُّ شيء ، فقال أعوذُ باللهِ من هذا الصباح ، فقد شعر بالمصيبةِ وعرفَ بذكائه ، فقد كان فهيماً، أنَّ هؤلاء الرجال المتوحشين هم من أكلة لحوم البشر ، فهم عراةٌ وشعورُهم طويلةٌ ووجوهُهُم حمراءُ منتفخةٌ تعلوها القذارةُ كما أنَّ أنيابهم طويلةٌ وأظافرهم حادةٌ ، فصفق يداً بيد وقال حسبنا الله ونعمَ الوكيل ، فراحت أم يونس تبكي وتتوسل إليه أن يفعل أيّ شيءٍ فهو قاتل الوحوش والتنانين ومخلِّص الناس من الظلم والأسر في التماثيل ، فقال لها اسكتي يا امرأة وإلا حلفتُ عليكِ ، ألا ترين إليهم كيف أنهم يعدون بالمئات وقد علمتني خبرتي أنَّ البني آدم عندما يصبح وحشاً يصير بالنسبة لأخيه البني آدم أشدَّ خطراً وأكثرَ فتكاً وماعلينا سوى الجلوس وانتظار مصيرنا المحتوم ، فسكتت أم يونس وكلها يقين أنَّ زوجها سيجد طريقةً ما للخلاص ، وبينما هم كذلك وإذ بالوحوش من أكلة لحوم البشر الذين يعدون بالمئات يقعدون حيث هم بينما كان آخرون يجمعون الحطب ومن ثمَّ أحضروا حلَّةً هائلةً ووضعوها فوق الحطب وأشعلوا النيران بعد أن ملؤوا الحلَّة بالماء ثمَّ راح آخرون يُحْضِرُونَ كمياتٍ هائلةٍ من الجزر والبطاطا والملفوف والقرنبيط فيلقونها في الحلة فهمست أم يونس إلى زوجها أنهم سيطبخون شوربة الخضار ، ولكنها لاحظت أنَّهم لم يغسلوا الخضار ولم يقشروها قبل القائها في الحلّة ، ثمَّ اقتربَ بعض الوحوش منهم والتقطوا اثنين من الأولاد وحملوهما ثمَّ ألقوا بهما في الحلة التي كان الماء يغلي فيها ، فراحت أم يونس وأبناؤها الثلاثة الباقين يبكون ويصرخون بينما كان كايد يضغط على نفسه لكي لايبكي لأنَّ المرء عليه أن يموت في آخر المطافِ ، وهي ميتةٌ واحدةٌ سواءً كانت في ساحة الوغى أو في حلَّةٍ لأكلة لحوم البشر ، ثمَّ أنَّ لديهِ اعتقاداً راسخاً وهو أنَّ الحياة لاتساوي قشرةَ بصلة ، وما إن مرَّت ساعةٌ حتى كان آكلوا لحمالبشر قد التهموا مافي الحلَّة وشبعوا وقعدوا في أماكنهم ينتظرون ليجوعوا من جديد لكي يأكلوا الباقينَ ، ومن أجل أن يتسلَّى وينسى نحيبَ امرأته أخرجَ كايد الخاتم ذا الفص الأزرق يتأمله ففركه دون أن يدري وإذ برجلٍ قصيرٍ أصلع لا يعرفُ من أين نبق يقفُ أمامهُ ويقول شبيك لبيك عبدك بين ايديك ، فلم يفهم كايد أول الأمر ماذا يحدث ثمَّ عرفَ بحدسه وثقافته أنَّ الخاتم قد يكون خاتم سليمان فقال له أنا بعرضك فقد وقعنا في ورطة وسنروح أكلة شوربة هل تستطيع أن تخلصنا من هؤلاء الوحوش؟ فتطلَّعَ القزم إلى أكلة لحوم البشر مندهشاً ثمَّ راحَ شيئاً فشيئاً يصْفرُّ ثمَّ بال في سرواله وراحَ يتمتم أنَّ هذا الأمر ليس من اختصاصه ثمَّ ركع أمام كايد طالباً منه أن يصفِّقَ لكي يختفي وإلا أكلوه هو أيضاً ، ومن أجل ذلك لم يصفِّق كايد وتمنى أن يأخذوه ليأكلوه، وقد رأى كايد أنَّه خدع وأنَّ على الخاتم أن يحضرَ عملاقاً عظيماً يستطيع طردَ هؤلاء الوحوش وليس قزماً رعديداً مثلَ هذا ، ولم يُخب أمله فقد هرع المتوحشون ليلتقطوا القزم ثمَّ ليعلّقوهُ على سيخٍ من حديد ثمَّ قاموا بشيِّهِ و أكله ولم ينسوا أن يفصفصوا عظامه فقد كان شهياً على مايبدو ، عندها خطرَ في باله أن يفركَ المصباح الذي أعطاهُ إياهُ الشيخُ الجليلُ فبحثَ عنهُ في صرر امرأته حتَّى وجدهُ ، فأمسكَ به بقوَّة ثمَّ فركه وإذ بشيخٍ عجوز تجاوز عمره الثلاثمائةَ عام يقف أمامهم غيرَ مصدقٍ أنَّه استدعي إلى هذه الغابة المليئة بالوحوش ، وكان الشيخ يرتدي ثوباً أبيض وقد أطالَ لحيته البيضاء إلى صدره ، وكان بالغ النحافة كأنَّه هيكلٌ عظميٌّ مكسي بالجلد ، فقال لكايد وهو واقف غير آبه للوحوش وليس مثل ذلك القزم الذي بالَ في سرواله خوفاً منهم ، شبيك لبيك الحكيم الساحر بين إيديك ، فقال له كايد ، انظر أيها الشيخ الحكيم إلى هؤلاء الوحوش من أكلة لحوم البشر ، إنهم يريدون أكلنا ولقد أكلوا لنا اثنين من أولادنا قبل ساعةٍ ، أرجوك أيها الحكيم الساحر أنقذنا منهم ، فقال الحكيم الساحر وكيف أنقذكم منهم يابني ألا ترى إلي كيف أنني ضعيف البنية وقد بلغت من العمر عتيَّا ، بينما أنت الذي صارعت الوحوش ففقأتَ عينَ التنين وقتلت الطائرَ الوحش وخلَّصتَ أهلَ مدينتي من الملكِ الظالم وأنقذتَ أهلَ الكهفِ من أسرِهِم الحجري فماذا حصلَ لكَ ؟ فواللهِ ليسَ في مستطاعي سوى النُصْحِ لك أن تصارِع أيضاً هؤلاءِ الوحوشِ لتصرَعَهُم وتخلِّصَ نفسكَ وزوجِكَ وأولادِكَ من براثنهم ، فسأله كايد وقد أحسَّ بالعزَّة في نفسه ، وبماذا تنصحني أيُّها الساحر الحكيم كيف أقاومهم فهم كثر ونحنُ قِلَّة ؟ فقال الساحر الحكيم هذا شأنُكَ وأنتَ أعلمُ مني في الصراعِ ولكنني أستطيعُ أن أتنبأ لك فهذه مهنتي ، فسأله كايد وبماذا تتنبأ لنا أيها الحكيم الوقور ، فقال له الشيخ إنني أرى أنَّك ستتغلب عليهم آخر المطاف ولكن بعدَ جهدٍ طويل ومثابرة أطول ، ولم يشعر كايد وامرأتُه وأولادُهُ إلا بالشيخ وقد اختفى من جديد ، رُغمَ أنَّ كلماته كانت ما تزال تترددُ في مسامعهم، فلم يضيعوا وقتاً بل راحوا جميعاً يجمعون الحجارة ، فلم يكن لديهم سلاحٌ آخر .

العيد

عندما كنت صغيراً كنت أنظر إلى الكبار نظرة حسد، فهم يقضون أوقاتاً أطيب في المناسبات وخاصة في الأعياد، وعندما صرت كبيراً أصبحت أشتهي أن أكون صغيراً فالأعياد وجدت ليحتفل بها الصغار بطريقتهم البريئة تلك والتي بدونها لا يمكن تذوق متعة العيد.
العيد يقترب،
هناك مسافة طويلة يجب على الأطفال أن يقطعوها ما بين البيت والفرن. لصناعة كعك العيد نحتاج إلى “الصوج” وهذه لا يقوم رب البيت بشرائها وتخزينها رغم أننا نحتاجها قبيل كل عيد. يجب استعارتها من الفرن والأطفال هم من سيحملها فارغة من الفرن إلى البيت ثم مليئة في الاتجاه المعاكس. وحفلة صناعة الكعك وخبزه في الفرن تدخل في باب الاشتهاء والانتظار والفوضى اللذيذة التي تصاحبها. عندما أحضرت حصتي من “الصوج” فضلت الجلوس على المصطبة العالية ومراقبة النساء المنهمكات بالعجين. عمتي سعاد كانت تتلقف قطعة العجين ثم تبرمها بيديها الاثنتين على لوح خشبي لتصبح فتيلة وبحركة بارعة تدورها على شكل رقم خمسة. تصبح الكعكة جاهزة التكوين حين تكبس سعاد باصبعها على طرفي الفتيلة بعد أن تدوّر.
أما جدتي فقد كانت متخصصة بصناعة الأقراص المحشوة بالعجوة، ومن أجلها كانت تعبئ القالب بالعجينة المحشوة سلفاً ثم تقوم بدق القالب على طرف المنضدة فيسقط القرص في يدها. كنت معجباً بهذه الحركة البارعة، أما سعاد فقد كانت عمتي المفضلة لأنها تعرف الكثير من الحكايات. كانت تتواطأ مع الأطفال وكأنها في عمرهم. كنا وإياها نسرق الكعك المقمر ونختفي في السقيفة لنتلذذ بطعمه وهي تحكي لنا حكاياتها التي لا تنتهي. وعندما كانوا يعاقبوننا على سرقة الكعك قبل حلول العيد كانوا يعاقبون عمتي سعاد أيضاً.
كان بيتنا يضم عشر نساء، أما أمي فقد كانت واحدة منهن. هناك جدة واحدة بين كل هذه النساء وعدة جدات أصغر منها هن في الحقيقة إما بناتها أو زوجات أبنائها، ومن المعروف في بيتنا أن المرأة تصبح جدة بسهولة وسرعة.
لا أعرف عدداً محدداً للأطفال في بيتنا لكي أثبته هنا، فقد كان عدداً متغيراً باستمرار بسبب الولادات والوفيات الجديدتين. تشترك النساء جميعاً في عملية تغسيل الأطفال، فقد كانت عملية شاقة، خاصة يوم الوقفة حين يتساعدن على تسخين الماء ومناولته وعلى التقاط الأطفال من أيدي أمهاتهم بعد تغسيلهم إذ ان الأطفال يخرجون وهم بلون الشوندرة المسلوقة ويصرخون. كان حفل الحمام يستغرق النهار كله وينهك جمع النساء هذا ولكنه كان من ضروريات العيد فبدونه لا تنفتح الخزائن المقفلة على الثياب الجديدة والأحذية اللامعة.
كنت أحب عالم الكبار ولم أكن أفهمه، فقد كان سراً أين كان يذهب الكبار صبيحة العيد قبل أن يصفونا، نحن الأطفال رتلاً أحادياً مرتدين ثيابنا الجديدة، ليستعرضنا الجد بصحبة أولاده وأزواج بناته. هنا، وفي تلك اللحظة يبدأ العيد لأن الجد يصبح في أسعد أوقاته، فتترجع ضحكات الكبار وتعليقاتهم في أرجاء المنزل، بينما الأمهات يحمن حول أطفالهن لإعادة شد بنطلون أو قميص أو إعادة ربط حذاء. ثم، واحد اثنان ثلاثة ونبدأ بغناء إحدى الأغاني التي كانت العمة الصغيرة سعاد تعلمنا إياها.
للكبار وللصغار أيضاً،
تعرفت على عالم الكبار بالتلصص وهنا، تذوقت متعة جديدة وهي متعة التعرف إلى عالم غير معروف بالنسبة لطفل صغير. ممنوع على الصغار التواجد في عالم الكبار ولكننا كنا نجد أكثر من طريقة للتواجد دون أن يرونا. عندما كنا نوضع في أسرتنا كنا نتظاهر بالنوم وما إن تغلق علينا الأبواب حتى ننهض ونلطي بجانب نافذة صغيرة تطل على غرفة الجد الذي يجمع فيها كل أعضاء أسرته الكبار، من رجال ونساء، للمسامرة. كان جدي الشيخ يهوى الطرب وعندما كان يبحث عن عروس لأحد أبنائه كان يسأل عن مواهب الفتاة المرشحة. لم يكن يقصد المواهب المعتادة في الطبخ والغسيل والكنس. كان يقصد مواهب الغناء والعزف على الآلات الموسيقية التقليدية. جدي أنشأ دون أن يشعر فرقة موسيقية كاملة في بيته وكنت أتلصص عليهم وهم يغنون الموشحات والقدود. أما عندما كبرت وأصبحت فتى فقد ضمني إلى فرقته وكان علي أن أؤدي معهم ضمن الكورس طقطوقات ما أزال أتذكر كلماتها وألحانها حتى الآن، ولكن بصوت ليس فيه أي رخامة أو حنان فلم أولد لأصبح مغنٍ، إلا أن صوتي كان يطرب جدي ويجعله يغرق في الضحك وهذا كاف.
كانت ساحة العيد قريبة جداً من بيتنا حيث كانت تنصب المراجيح والقلاّبات التي كانت تغري الفتيات أكثر من الفتيان، كما كانت تنصب فيها العديد من الخيم حيث كانت تجري أنشطة مختلفة قريبة جداً من الفنون. إحدى تلك الخيم والتي كنت أتردد عليها كانت لأحد متعهدي الحفلات حيث كان يقدم آخر اكتشافاته الفنية. في الحقيقة كنت أتردد على خيمتين في تلك الساحة المتربة، خيمة السينما وخيمة الطرب تلك. فبينما كانت ظروف عرض الأفلام السينمائية بالغة الرداءة كان المطربون في الخيمة الأخرى من ذوي الحناجر الجيدة. مرة حضرت وصلة لمغن لم يكن قد بلغ الثالثة عشرة بعد. كان يغني مصحوباً بثلاثة من الآلاتية من أصول غجرية ألحاناً شجية. تعجبت لهذا الفتى وأردت أن أصنع حكاية غريبة لأرضي بها جدي الشيخ فانتظرت الفتى إلى أن أنهى وصلته وخرج فاقتربت منه وسألته أسئلة شخصية أردت منها التعارف فيما بيننا. لم يكن يعرف شيئاً عن أصوله ولا عن والديه. قال لي إن الغجر وجدوه ضائعاً في أحد طرقات المدينة فأخذوه وعلموه الغناء. في المساء كنت أجلس بجانب جدي وأنا أهمس في أذنه تلك الحكاية، وفي اليوم التالي رافقته إلى الخيمة حيث استمع إلى الفتى بانتباه شديد وللغرابة فقد وجدت الدموع تنهمر من عيني جدي اللطيف. حاول أن يحصل على الفتى، أن يتبناه، ولكن الغجر هربوا به ولم نعد نصادفهم في خيم العيد بعد ذلك.
كان في الساحة أيضاً ساحر يدهش الفتيان أمثالي بألعاب الخفة. كان يقف على صندوق خشبي يحمله معه أينما يذهب. كان يستخدمه أيضاً كمستودع لأدواته التي يستخدمها في ألعابه. كان يخرج شفرات الحلاقة القاطعة من فمه أو يخرج حبلاً طويلاً من المناديل الحريرية الملونة والمعقودة بعضها ببعض من أذنيه. كنا نضحك جاحظي الأعين وعندما يجد انه قد استطاع أن يسحرنا بألعابه كان يخرج قوارير صغيرةً تحتوي على دواء لكل الأمراض بلا استثناء ويعرضها علينا لنشتريها. هذا الرجل استطاع أن يحصل مني على ليرات كثيرة بسبب خفته وبسبب حلاوة صوته حين كان ينادي على دوائه العجيب: أبو فاس.. أبو فاس.
في خيمة السينما تعرفت، رغم ظروف العرض السيئة، إلى أهم الأفلام الكلاسيكية العربية والتي حرصت فيما بعد على حضورها في صالات السينما المجهزة بشكل جيد، مثل فيلم “أنشودة الفؤاد” لجورج أبيض وفيلم “صاحب السعادة كشكش بيه” لنجيب الريحاني، وشاهدت بعض أفلام بشارة واكيم ومحمد عبد الوهاب وفيلم “الغندورة” لمنيرة المهدية.
كنت قد بلغت السادسة عشرة حين وصل دور “الصحنيّة” إلى بيتنا. وأنا لا أزال أتذكر تلك المناسة بسبب حصولها خامس يوم العيد. والصحنيّة تعني أن الضيوف يأتون وكل واحد منهم يحمل صحناً مليئاً بالأطعمة ومن مطبخ بيته بالتحديد. كان الطقس حاراً فانعقدت السهرة في باحة الدار الكبيرة وحول البركة التي كنا ملأناها منذ الصباح بالماء الصافي وتركنا بعض الأسماك الذهبية تسبح فيها. كنت أعرف أن جدي مشترك في سهرة الصحنية الشهرية تلك ولكنني لم أحضر ولا مرة واحدة إحدى هذه السهرات. امتلأت باحة الدار بأصدقاء جدي من الشيوخ والتجار والأعيان المعروفين في المدينة كلها بحبهم للطرب. وهناك علاقة حميمة في مدينتنا بين الشيوخ والطرب، فقد كان أكثر أصحاب الأصوات الجميلة من الشيوخ مثل الشيخ عمر البطش والشيخ بكري كردي الذي كان حاضراً في سهرة الصحنية تلك في بيتنا. كما أن الشيوخ الأفاضل هؤلاء كانوا مدرسة كاملة في الطرب ولن يُعرف أي مطرب مهما كان إن لن يمر أمام هؤلاء الشيوخ بنجاح ويعترفوا به وبصوته. وقد لاحظت أن العديدين ممن حضروا كانوا من المؤذنين أمثال صبري مدلل وغيره ممن لم أعد أذكر أسماءهم.
الطرب والمرح أهم ما كان يميز سهرات الصحنية تلك. كان المرح ينصب على حب بعض الشيوخ لبطونهم، وفي هذا الباب كان هناك الكثير لكي يقال عن طرائف البعض والفصول التي حدثت معهم بسبب ولعهم بالطعام وحبهم لتذوق اللذيذ منه، أما عندما كانوا ينتهون من تناول الطعام فقد كان يقدم لهم عدة أدوار من الشاي المخمر بكؤوس مخنصّرة ومذهبة. كانت لذة تذوق الشاي المصنوع جيداً تفوق لذة تذوق النبيذ الجيد بالنسبة لشاربيه وليس غريباً أنهم أطلقوا على الشاي اسم “خمر العلماء”. كانوا يرتشفون الشاي وهم يستمعون إلى الشيخ بكري كردي الذي كان يغني الكثير من ألحانه. لقد تعلقت بهذا الإنسان منذ اللحظة الأولى التي استمعت فيها إليه وهو يؤدي “ابعتلي جواب وطمّني” التي ما تزال حية حتى الآن رغم مرور أكثر من خمسين سنة على تلحينها.
بعد ذلك اليوم أصبحت أحرص على مرافقة جدي إلى سهرات العلماء والشيوخ الشهرية. لم اعد انتظر لينتقل الدور إلى بيت جدي بعد أن انتقلنا منه وأصبحنا نسكن في بيت منفصل، بل أصبحت ألح على جدي ليصطحبني معه. وكنت أغريه فأزوره وأؤدي له بعض الأغاني بصوتي الذي لم يكن فيه أي جمال فيضحك، يضحك حتى تدمع عيناه. كنت آتي له بأغان لمغنين على الموضة لم يكن قد سمع بهم مطلقاً فيزداد مرحه ويحسب أنني كنت أختلق له هذه الأغاني وأخترع أسماء مغنيها.

قصة البطل

ما إن توقف الباص حتى التقطت حقيبتي الصغيرة بسرعة البرق وقفزت إلى داخله كأنني أخاف أن ينطلق من جديد دون أن أرحل معه. أو أنني ضقت ذرعاً بالمدينة وأهلها إلى حدٍّ أنني لم أعد أرغب بالمكوث ثوانٍ أخر.
جلست في المقعد الثالث من الطرف الأيسر للباص إلى جوار النافذة. أخرجت علبة سجائري وعلبة الثقاب ووضعتهما إلى جانبي. خلعت سترتي وعلقتها إلى خطَّاف مثبت في جدار الباص لهذا السبب ثمَّ أخذت وضع من سيطول سفره، فتفرست في وجوه المسافرين الآخرين وجهاً وجهاً ثمَّ.. انطلق الباص يهدر بصوت مشؤوم ينفث روائح النفط إلى الداخل.
سار الباص في الشوارع ثمَّ توقف على إشارة مرور منسية منذ الليلة الماضية ومالبث أن عاود سيره في الطرقات الفارغة مزعجاً عصافير الصباح التي كانت قد شرعت في زقزقتها الأولى.
أطفأ السائق أنوار الداخل فبانت مباني المدينة وأرصفتها بشكل أوضح عبر الزجاج. كان الناس نياماً. فالفجر يطلق أنفاسه الأولى والمسافرون عادوا إلى النوم بعد أن انتزعهم موعد انطلاق الباص من فراشهم متجهمي السحنات، والسائق يحترم راحة المسافرين فيقرر عدم إشعال المذياع أو إطلاق المسجلة، مفضلاً إشعال سيجارته الأولى لهذا اليوم أما معاونه فكان يسعل ثمَّ يبصق ثمَّ يسعل من جديد ليبصق من جديد. كان الباص يهدر والمسافر الذي تكوَّمَ في مقعده، خلفي مباشرةً، يصدر شخيراً عالياً ومديداً دون توقف.
أما أنا فلم أنم، ولم تذبل عيني ولم أشعل السيجارة الأولى بعد، رغم أنني لم أنم هذه الليلة بل بتُّ سهران، انتظر الساعة الخامسة والربع لأرحل أخيراً عن هذه المدينة، تاركاً مبانيها ونوافذها ومداخل حاراتها وطرقاتها المسفلتة إلى الأبد.
لن أعود إليها، أقسم أنني لن أعود إليها، قلت ذلك في نفسي حين خرج الباص من المدينة فاستقبلته أطراف الحقول مسرعة إليه فارتحت أخيراً لأنني تركت المدينة إلى الأبد.
في تلك الليلة المقمرة وعندما كنا نسير على الطرقات الترابية على مهل ونتحادث، سألني عن يدي ماذا قال الطبيب ؟ قلت له : شلل تام في أصابع اليد اليسرى. نعم، لقد انكمشت أصابعي وبقيت منكمشة إلى الأبد. نهاية حزينة ليد مقاتل. أنا أعترف بذلك. طلق ناري أخترق ظاهر الكف قريباً من الرسغ. أجروا لي عمليتين جراحيتين، ثمَّ أرسلوني إلى برلين لإنقاذ يدي، عدت من هناك بعد شهرين بأذى أقل. أصبحت أحركها. أما أصابعي فمستحيل. أصبح وضعها وكأنني أمسك برتقالة ثمَّ نزعت البرتقالة وبقيت اليد ممسكة فراغاً بحجمها.
قال لي وهو يلتقط عسلوجاً من الأرض ويهم بتقطيعه إلى أجزاء : انظر أيها البطل. الا يكفيك خمس سنوات من القتال ؟. لماذا لاترحل إلى المدينة فنحن بحاجة إليك هناك.
غاص قلبي. أطرقت صامتاً ونحن نسير على الدرب الترابي. ليلة تموزية جميلة، والقمر بدر ينير الوديان والهضاب والسهول إلى ما وراء الخط الساخن. صفير الجنادب. أصوات تحرك فئران الحقول بين الحشائش وشجيرات العوسج المتيبسة. حفيف الرياح الهادئة في الاذن. أصوات طلق ناري متفرق من بعيد. كل ذلك اختلط في شعوري فأحسست بأنني سأنفصل مرة أخرى عن هذا العالم. سأقتلع منه.
قلت له : القول الأخير لكم ولكنني أرجوكم ألا تفكروا في هذا الأمر. إنني أقاتل منذ خمس سنوات. اصابة بسيطة كهذه لا يجب أن تبعدني عن حياتي التي اعتدتها. اجعلوني مدرباً على الأقل. عدنا إلى المهاجع الأرضية. تركني لأستلقي. قال : غداً سنبت في الأمر.
استيقظ المسافر الذي كان تكوم في مقعده وراح يشد جسده ويطقطق عظامه. أطلق شتيمة نابيةً بحق السفر، ثمَّ راح يعبث في كيسه. أخرج قطعة خبز وجبن وخيارة وشرع يأكل. سمعت أسنانه تطحن الخيارة بصوت يطغى على هدير الباص ولما انتهى مسح شاربيه بباطن يده ثمَّ تجشأ مرتين وحمد الله ثمَّ عاد وتكوم وسرعان ما راح يشخر.
كان قرص الشمس قد انبثقَ فجأةً من خلف منخفض أرضي وراح يشع باتجاهي. أحسست بعداء نحوه كما المدينة. خبأتُ وجهي وأغمضتُ عيني. كأنَّ الشمس كشفت هروبي، فضحتني. كنت أخجل من نفسي.
جاء في التقرير ما يلي :
<>
ارتعشت. سمعت معاون السائق يسعل ثمَّ يبصق. مسحت عيني بيدي اليمنى وقد أحسست بحرارة تنبثق من وجهي. كان السائق يشعل سيجارته الثانية أما أنا فلم أشعل الأولى بعد، تكفيني رائحة النفط التي تنفذ إلى الداخل باستمرار. لم أكن أحمل حقيبة بل محفظة صغيرة وضعت فيها فرشاة أسناني وبعض الأوراق ومذكرة العام ذاته. ماذا كان علي أن أحمل من القاعدة إلى المدينة ؟.
نزلت من الشاحنة العسكرية التابعة للسوريين في وسط مدينة (ب) ثمَّ اتجهت إلى مقهى <> في هذا المقهى اعتدت شرب فنجاني الأول من قهوة <>. أنا أحب احتساء هذه القهوة مرة في اليوم إن كنت في مهمة ما في المدينة . شربت قهوتي ودخنت بعض السجائر وأنا أستمع إلى أحاديث الناس عن جريمة وقعت ليلة أمس في الضواحي. وضعت خمس ليرات ثمَّ خرجت أتمشى باتجاه كراج دمشق. كانت الشوارع ملأى بالمسلحين والسيارات العسكرية، وكان الباعة يجلسون أمام حوانيتهم وهم يحتضنون الكلاشنكات.
في أحد الشوارع استوقفوني وطلبوا هوِّيتي. تأكدت أنهم من تنظيم صديق فأخبرتهم من أنا. عرفوني فوراً. أحدهم قبلني. سألوني عما إذا كنت أحتاج إلى مساعدة. عرضوا علي إيصالي إلى أي جهة أريد. رفضت. سرت من جديد أتفرج على الفترينات. وجدت الحل. ابتعت بنطالاً وقميصاً وحذاء، فخرجت من الحانوت مدنياً بحتاً.
لم أمر على مكتبنا في مدينة (ب) بل اتجهت فوراً إلى الكراج واستقليت أول سيارة إلى دمشق. ارتفع قرص الشمس إلى الأعلى فغمرت أشعتها الباص وراحت تُسمع حركة المسافرين وهم يستيقظون ويتثاءبون ويتمطؤون. استيقظ أيضاً الرجل الذي تكوَّم في مقعده خلفي. معظم المسافرين أشعلوا سجائرهم وكأنَّ ذلك إيذانا ببدء الحياة. مدَّ السائق يده إلى المسجلة يدس في شقها شريط كاسيت لأم كلثوم (اذكريني). كنت قد نسيت منذ سنوات طويلة أنَّ لأم كلثوم أغنية تحمل هذا الاسم. جاء الصوت مرتجفاً وباكياً. اختلط حزن الأغنية بفرح الصباح النضر : اذكريني كلما الفجر بدا…
رحت أستمع إلى الأغنية وكأنها تخصني وحدي. كيف لا وقد كان المسافرون جميعهم يثرثرون دون توقف. أحدهم قال إنه خائف من بيروت. فسأله الآخر : ولماذا ترحل إلى هناك إذاً ؟ فأجاب أنا ذاهب للبحث عن ولدي، إنه يدرس في جامعة بيروت. انقطعت عنا أخباره منذ مدة. تنهدت امرأة في الخمسين وقالت : يا لطيف !.
اذكريني كلما الطير شدا…
أحسست بغصة في صدري. كيف ستذكرينني يا ترى ؟. متى ؟ وهل ستذكرينني فعلاً ؟ ولكني الآن أذكرها وأذكر ملامحها الرقيقة. هنا في الباص بين هديره وصوت أم كلثوم وثرثرات الركاب وسعال المعاون. ولكن أين عهدي على نفسي أن أنساها ؟ لماذا عادت الآن، أبسبب الأغنية ؟ محوتها من ذهني ورحت أشغل نفسي بشيء آخر. أشعلت سيجارة. تسليت بإطفاء عود الثقاب في آخر لحظة. راقبت السائق وهو يتمايل مع أنغام الأغنية. المعاون وهو يغفو ثمَّ يستيقظ ليسعل. راقبت الحقول الخضراء والجواميس التي تقضم العشب بلذة. أحصيت ما بقي من نقودي. فعلت كل ذلك لكن الغصة بقيت ساكنة في صدري.
كان قد مضى على وجودي في دمشق شهراً كاملاً. استأجرتُ غرفة. اشتريتُ شراشف جديدة وغطاء للطاولة. واشتريت أيضاً جهاز تلفزيون أبيض وأسود مستعملاً. كنت أتناول طعام الغداء في المطعم ( الصحي) والعشاء في البيت، أما القهوة فكنت أشربها في المكتب صباحاً وفي مقهى (النجمة) في المساء. كل شيء ممل. المكتب والمطعم والمقهى والبيت. في بعض الأحيان كنت أشعر بالاختناق، خصوصاً عندما تبدأ الشمس بالغروب. حينها أشعر كأنني برئة واحدة وأنني ألهث. أفتح ياقة القميص ويصيبني صداع. أعتذر من أصدقاء المقهى وأغادر أمشي بوجه أحمر ضرَّجه الدم الصاعد بنزق إلى الرأس. أخرج نصف ليرة وأبحث عن هاتف للعموم. أضيِّع ساعة وعندما أجد الهاتف أفقد الرغبة في الاتصال بأحد. أعود إلى غرفتي. أصعد المئة وعشر درجات. أستلقي على سريري وأدخن السجائر المهربة وعندما يطرق بابي أحد تجتاحني سعادة ما ثمَّ ما تلبث أن تغادرني لتحتلني الكآبة والنزق والصمت. كان علي أن أسرد ولكنني لم أكن أسرد. يضجرون من بطولاتي ويرحلون. أي بطل أنا في هذه المدينة. بطل العمل السياسي والتنظيمي !!. هذا الشيء مدعاة للسخرية خصوصاً أنَّك تفقد القدرة على الكلام حين يطلبون ذلك منك. أجلس في أحد المهرجانات الخطابية ويدي اليسرى تقبض على برتقالة وهمية. أشعر ببعض الأشخاص ينظرون إلي بحسد وإعجاب. ما قمت به عظيم، ما أقوم به تافه. بعد الخطب والكلمات يضربون حولي طوقاً أثناء الخروج. كل الناس يريدون تحيتي وأنا أريد الهرب مصاباً بداء الكآبة، أدخن بشراهة، تنتظرني ساعات أرق طويلة في البيت وفي بعض الأحيان أحطم كأساً على الجدار.
كل ذلك كان يحصل عندما التقيت بنبيل.
احتضنني وجعل يقبلني. قبلته أنا أيضاً وأنا أشد على يده مصافحاً. أين أنت يا رجل ؟ قرأت عنك الكثير. أنت الآن بطل حقيقي. يقولون أنك قهرت جيش لحد، ماذا : ألم تقهرك امرأة ما؟ ثمَّ ضحكنا وانطلقنا إلى مكان ما لنأخذ كأساً أو إثنين من الخمر.
قعدنا وشربنا الكثير. تحدث نبيل الكثير أيضاً. إنه مرح في طبعه، والدنيا لا تستطيع تبديل شخص مثل نبيل. إنه كاتب وثوري وتاجر في آن معاً. يقول النكات كما يتنفس. يضحك لأتفه تعليق. يقول نظريات مهمة ويناقش النساء حتى الصباح، وبعد أن يغادرهنَّ يشعر بالأسف لأنهناقشهنَّ فقط. تذاكرنا معاً أيام زمان وتداولنا مواضيع هذا الزمان. لا ينسى شيئاً. يتذكر كل شيء والأهم من ذلك أنَّه لا ينسى أن يرفه عن أصدقائه.
المهم. شرب وضحك وأطلق النكات وحدثني عن نظريته وعن تجارته. خطر في باله أن يسألني عما أفعل الآن.
بماذا أجيبه ؟. أحمر وجهي وزفرت وأصابني الغم فجأة. وبما أنَّ نبيل هو نبيل فقد قلت له كل شيء. أخبرته عن إصابة يدي والشلل والعمليات الجراحية والرحلة إلى برلين. ثمَّ أخبرته عن قرار التنظيم في إبعادي عن العمل العسكري حمايةً لي، ولأنني أصبحت عاجزاً. حدثته عن حياتي في مكتب المدينة وعن الكآبة التي تصيبني كل مساء عند الغروب لأنني أبتعد عن الناس وهم يبتعدون عني. أخبرته أنني أسوأ رجل سياسة في هذه المدينة. لم أبقِ شيئاً لم أقله ولم أخفِ عنه شيئاً. قلت له حتى أنني أحطم الكؤوس على الجدران وأمارس أسوأ العادات. فوجئ نبيل بكل هذا. كان يستمع وهو صامت، وصمت بدوري وقد عاودني القلق. أطفأ السائق المسجلة عندما كانت أم كلثوم تعيد مقطع اذكريني كلما الليل سجى… ثمَّ خرج الباص عن الاسفلت وأوقفه. صمت المسافرون قبل أن تنتهي الحكاية وراحوا يستفسرون عن سبب التوقف. خرج السائق من خلف المقود بصعوبة ثمَّ ترجل مع المعاون بينما نهض المسافرون ليراقبوهما عبر زجاج النوافذ. أعلنوا جميعاً وبشكل متتابع أنَّ دولاب الباص قد (برشم). هرع بعض المسافرين لتقديم المساعدة إلى السائق والمعاون بينما سار آخرون بعيداً كي يتبولوا. سمعت السائق يشتم أم الدولاب. نهض المسافر الذي كان متكوماً خلفي. استفسر عن الموضوع من امرأة صبية متحجبة فلم تجبه شيئاً. سألني فرفعت له كتفي وأنا أقول له : الدولاب. هدأ إذ كان يحسب أنَّ حاجزاً قد أوقفنا. أخرج خيارة وراح يقضمها بصوت عالٍ وشهي. أصدر أحد المتبولين صوتاً بشعاً فاحمر وجه المرأة المتحجبة. تكومت في مقعدي وأغمضت عيني طلباً للنوم.
في اليوم التالي هتف إلي بالمكتب. قال إنني لم أعجبه في الأمس. قلت له إنني لم أعد أعجب أحداً، فقال بأنه سيمر علي مساءً في البيت لنتحدث أكثر في الموضوع. أغلقت الخط وأنا غير متحمس للموضوع.
وفعلاً جاء. كنت نائماً فأيقظني. أشرعنا النافذة طلباً للهواء النقي فقد كان جو الغرفة كريهاً. سألني منذ متى وأنا نائم ؟ فاستنتج أنني نمت خمس ساعات. اغتسلت وعملت كوبين من القهوة شربناهما صامتين. أراد أن يخلق جواً من المرح إلا أنني قمعته بتجهمي. بعد قليل كسر الصمت وقال :
– انهض واحلق ذقنك وارتدِ ثيابك.
– ماذا هناك ؟.
– سوف أعرفك بفتاة.
قلت له لا أريد. عرفت الكثيرات خلال مكوثي في المدينة إنهنَّ تافهات ثمَّ إنني أخاف أنَّ أخذلك. أصرَّ نبيل، قال إنَّه سيعرفني بنوع جديد ومتميز من النساء. هذا النوع الذي سيعيد علاقتي بالحياة على أسس جديدة هكذا قال حرفياً ولذلك نهضت وفعلت ما طلبه وقد زال عني نصف الكآبة. مشينا صامتين باتجاه شارع العابد حيث اشترينا كيلو غراماً كاملاً من المشاوي ولتر وسكي مشكوك في مصدره ثمَّ استقلينا سيارة باتجاه ركن الدين. وجدت الأمر مسلياً بالنسبة لي فابتسمت لإحدى نكات نبيل. منذ زمن بعيد لم أذهب مع أحد لبيت فتاة. ربما خطط الرجل لأمسية جميلة تجعلني أنسى كآبتي والغصة في الصدر والشعور بالوحدة. ليلة واحدة على الأقل. ترجلنا ثمَّ صرفنا السيارة أمام بيت من طابقين له حديقة منخفضة. كان الشارع هادئاً ومعتماً. فتح باباً حديدياً ثمَّ قادني بواسطة درج إلى الأسفل. طرق نبيل باباًَ من الحديد والزجاج وأنا أتطَّلع إلى أحواض الزرع التي تحوي أي شيء ماعدا المزروعات. فتحت الباب امرأة في الخامسة والثلاثين. هللت لمجيئنا. أدخلتنا وهي ترحب بنا وكأنَّ أسعد شيء تتوقعه قد حدث. امرأة لطيفة تجدها في الأماكن الراقية. مثقفة بدلالة لكنتها ومئات الكتب المصفوفة على الجدران الأربعة.
– السيدة هدى
– السيد ن.ع.
شدت على يدي بطريقة لطيفة جداً. إنها تعرفني وتعلم بمجيئي. اعتذرت بسبب بساطة بيتها والأساس. جلست أنظر حولي وأنا أخفي يدي المشلولة. لاحظت أنها وبذكاء تراقب يدي. فتح باب المطبخ ودخلت امرأة ثانية، امرأة في الثلاثين، ناعمة، رأسها يصل إلى كتفي. ذات شعر مسبل على كتفيها. امرأة عادية نحيلة سمراء تحسب أنها بلا عظام لليونة التي تتحرك بها. امرأة بجمال غريب لأنه عادي. لطيفة ومثقفة هي أيضاً. حاولت أن لا تزيح عينيها عني. قدَّمها باسم ليلى وقدمني باسمي. صافحتني بيدها اللاعظمية. أثناء ذلك أحسست أنَّ لها أعمق عينين صادفتهما في حياتي.
أعلنت المرأتان أنَّ هذه الليلة ستكون أعظم ليلة في حياتهما. تسلقت ليلى المكتبة والتقطت من رفها العلوي زجاجتي نبيذ فرنسي معتَّق. نظرت إلي أثناء نزولها. خرجتا وبدأتا بتحضير السفرة. كانت ليلى ترمقني في الرواح و المجيء. أحسست بالحرج بالبداية ثمَّ اعتدتُ على نظراتها. الليلة هي ليلة البطل فشربنا النخب الأول.
ليلى تملأ لي كأسي، تملأ لي صحني، تشعل لي سيجارتي، ترمق وجهي، توجه الحديث نحوي وتحكي لي النكات. إن لم أضحك تحسب أنني لم أفهم النكتة، فتعيدها من أجلي. أعلنت أنها ستضع في المسجلة أحب شريط إليها.. أيضاً من أجلي. سألتني إن كنت أتذكر نكتة. سردت لهم نكتة عن رجل حمصي، ضحكت ليلى حتى غشيت من الضحك. كانت النكتة سخيفة. بدأت تسابق الريح في إطلاق النكات حول <>. أخيراً طلبت مني أن نرقص على أنغام (شيرلي باسّيه). لم أكن محرجاً لأنني كنت قد شربت بما فيه الكفاية. سألتني وهي تحافظ على مسافة بين جسدينا إن كنت أعرف الانكليزية. قلت لها نعم ومع ذلك ظلت تشرح لي معاني أغنية شيرلي.
أحبك، أكرهك، أحبك، أكرهك، أغنية جميلة والمرأة التي بين يدي جعلتها أجمل. كانت تتمايل مع الأغنية وشعرها يتمايل معها والغرفة تتمايل أمام عيني.
انتهت الأغنية فعدنا ونحن نضحك. ضحك نبيل بسعادة لقهقهاتي. لقد نجح، وكعادته يطرب لنجاحاته. صرخ بأعلى صوته طالباً زجاجة الويسكي. حان دورها. بدَّلت هدى الكؤوس وأحضرت الثلج وبدأنا بشرب السائل المزيَّف. ثمَّ طلبت ليلى أن أحكي لهم عن بطولاتي. لم أشعر بشيء إلا وأنا أحكي لهم عن التسلل والكمائن والضرب والتراجعات وتصفيات الخونة وإنقاذ الجرحى وتفجير مباني القيادات وكشف الجواسيس. حكيت لهم أشياء كثيرة. كنت أحكي لليلى، وليلى كلها آذان صاغية.كانت تعابير وجهها تأخذ شكل ما كنت أسرده. وعندما حكيت لها كيف أصبت في المعركة الأخيرة وكيف انسحبت من المعركة زحفاً، بكت.
في تلك اللحظة أحسست أنَّ علي أن أنهض وأعانقها ولكنها هي التي فعلت.
وقفت بكل هدوء ثمَّ اقتربت مني وعانقتني.
اصلحت جلستي على مقعدي. كان جاري يتابع أكل الخيار. بدأ الركاب في العودة إلى الباص وهم يضحكون. قال زوج المرأة المتحجبة أنهم أنهوا تبديل الدولاب وسينطلق الباص فوراً. صرخ أحدهم أنَّ الباص سيسير دون بدل. ردَّ آخر : خذ حسبك الله وامش. ردد الجميع : لا إله إلا الله. صعد السائق ومعاونه إلى الباص وأخذا مكانيهما. وضع السائق شريطاً جديداً. كانت أغنية الآهات لأم كلثوم أيضاً. انطلق الباص وانطلقت الاغنية : آه من لقياك في أول يوم… تذكرت نهاية أول يوم. كنت في غرفتي وحيداً بعد أن ودَّعت هدى وليلى ثمَّ ودعت نبيل الذي سيسافر صباحاً إلى أبو ظبي.
كنت جالساً في غرفتي أدخن السجائر وأستعيد وقائع الليلة. ليلى هذه تركت انطباعاً هائلاً في نفسي. تذكرت نكاتها وحركاتها فابتسمت. تنهدت ثمَّ زفرت ثمَّ سألت نفسي إن كنت قد وقعتُ في الحب.
كنا قد تواعدنا للذهاب إلى السينما. انتظرت بفارغ الصبر انتهاء عمل المكتب. وفي الساعة السادسة كنت أنتظر أمام سينما الكندي وفي جيبي ثلاث بطاقات، وما إن وصلتا حتى دلفنا إلى الداخل وجلسنا نتحدث ونضحك، وما إن أطفِئت الأنوار حتى لم يعد يسترع انتباهي شيء سوى التي إلى جانبي. حتى أننا وقـَّعنا في العتمة بطريقة خرقاء على بطاقات الدخول وتبادلناها.
ما إن انتهى الفيلم حتى تنفسنا الصعداء وانطلقنا باتجاه ركن الدين. وهكذا كنا نفعل كل يوم، كنا نمضي ساعتين أو ثلاث في الخارج ثمَّ نذهب إلى البيت، وهناك كانتا تحضران السفرة ثمَّ نقعد لنأكل ونشرب، لنستمع إلى الموسيقى ونرقص على أنغام شيرلي باسِّيه. كنا في بعض الأحيان نغني أغنية معاً بصوت هادئ بعد أن أكون قد تعلمت بعض كلماتها. وما إن ينتصف الليل حتى تذهب هدى إلى النوم، فأمكث ساعة أخرى مع ليلى نتحدث خلالها عن لبنان ونبيل. عن الأفلام التي كنا قد شاهدناها وعن أغاني باري وايت وأوليفيا نويتن التي كنا نستمع إليها في تلك الساعة. وعندما تدق الساعة الواحدة، كنت أنهض فألمس خدها بخدي ثمَّ أقبل يدها كجنتلمان وأتمنى لها ليلة سعيدة.
كنت أعود إلى البيت مشياً على الأقدام، وفي بعض الأحيان كنت أركض فرحاً. لا يهمني شيء ولا حتى أن يتطلع حارس ليلي إلي بدهشة. وما إن ادلف إلى غرفتي حتى أستلقي على سريري وأنا أحلم أنها جالسة على مقعدي إلى جانب النافذة، فصوتها يرن في أذني، وصورتها ثابتة في عيني، ورائحة عطرها ساكنة في رأسي.
أما في الصباح فإنني كنت أستيقظ نشطاً. أركض إلى الباص. أصعد الدرجات إلى المكتب قفزاً. أحيي الزملاء فرداً فرداً. أشرب القهوة بلذة عارمة وأنا أدخن السيجارة الأولى. حتى أنني كتبت خطاباً حماسياً وألقيته مرة في مناسبة وطنية فوقف الحضور وهم يصفقون ويهتفون.
ياإلهي.. ياإلهي.. ماذا جرى لي ؟.
كانت أم كلثوم تتابع أغنية الآهات بصوت مجروح :
أشرب بايدي كاس يرويني.. اشرب بإيديك كاس يكويني..
رفعت جزعي ومسحت وجهي بيدي. كانت الغصة إياها تثقل على صدري. أخذت نفساً عميقاً دون فائدة. كانت يدي القابضة على اللاشيء مركونة على فخذي ترعبني.
كان الوجوم مسيطراً على الركاب، رغم صوت أم كلثوم، فقد تلبدت السماء بالغيوم، وأصبحت الأراضي اللبنانية مرئية، وكانت الشاحنات العسكرية والحواجز تغطي الأرض والأفق.
أبقيت عيني مفتوحتين وأسندت رأسي إلى زجاج النافذة.
كنت قد قررت أن أقول لهاشعوري فيها، أن أقول لها ما أشعر نحوها. قررت أن أبثها عواطفي. أن أقول لها أنَّ ذلك الشيء الذي أشعر به يضغط على كياني كله والذي أنقذني من كآبتي ونزقي وموتي البطيء.
كنت قد قررت أن أقول لها في تلك الليلة إنني أحبها.
كنا قد أكلنا وشربنا، رقصنا وغنينا، وكانت هدى قد ذهبت لتستلقي. كانت ليلى جالسة إلى جواري، قريبة مني، كنا نتحدث في أمر نسيته تماماً، لأنَّ ماحدث بعد ذلك هو الذي لن أنساه في حياتي كلها.
أمسكت يدها في يدي فأبقتها على حضني. قرَّبت وجهي من وجهها فلم تبتعد. عندها، قبلت شفتيها. وما إن ابتعدت عنها حتى همست بصوتٍ صادر من عمق أعماقي وبكلمات لم أقل في حياتي كلها أوضح منها : ليلى، أنا أحبك.
رفعت عيني إليها لأرى ردها. كنت أنتظر أن تفتح ذلك الثغر الذي قبلته قبل هنيهة وأن تقول ما أريد أن تقول فعلاً. ولكنها لم تقل شيئاً. تلألأت عيناها السوداوان قليلاً ثمَّ نبعت دمعتان ارتجفتا قليلاً ثمَّ تدحرجتا على الخدين، ثمَّ أخفت وجهها بيديها وراحت تبكي.
ياإلهي.. ماذا فعلت. ماذا حصل.. احتضنتها. استسلمت لي ولكنها لم تتوقف عن البكاء. كانت تبكي بصوت مكتوم وينتفض جسدها بين يدي. كانت تبكي وتنتفض وتشرق أنفها دون أن تستجيب لتوسلاتي.
ماذا حصل ؟ سألتها عشر مرات. مسحت لها دموعها بمنديل. قبلت يديها ثمَّ قبلت عينيها الباكيتين. تذوقت السائل الدافئ المالح. ماذا حصل ؟.. كان علي أن أموت لا أن أجعل ليلى تبكي.
هدأت قليلاً وابتعدت عن كتفي. حاولت الابتسام ولكن دموعها منعتها. كانت محرجة وحزينة، تشعر بذنب ما لا أعرف كنهه. قالت لي بكلمات متقطعة دون أن تنظر في عيني :
– انظر أرجوك. أنت بطل، ولزاماً علي أن أعتني بك. أن أحوطك بالعناية. أنت بطل.. والأبطال لا تقابلهم كلَّ يوم، ولا تستطيع التحدث معهم بسهولة ولمسهم. أنت بطل عزيز، لكنك فهمتني خطأ.
تأكدت من صحة سماعي ما قالته. لقد فهمتها خطأ. كيف ذلك ؟ قلت لها مرة أخرى إنني أحبها. استدارت إلى الطرف الآخر ومسحت عينيها من جديد سمعتها تقول وهي تنهض :
– أنت صديق عزيز ولكنني أحب شخصاً آخر. أرجوك افهمني، أنا المخطئة، الذنب ذنبي.
خرجت إلى المطبخ وتركتني أنهار على الكنبة. كان عقلي ساكناً متلبداً. لا يريد أن يفهم، لا يريد أن يعي، لا يريد أن يقرر ماذا علي أن أفعل الآن، أن أفعل غداً. ولكن التلبد انحسر فجأة فأحسست بالدم يصعد إلى رأسي وشعرت بحاجة للبكاء. كم أحسد ليلى لأنها تبكي بسهولة هكذا. نهضت، ذهبت إليها. كانت واقفة أمام الغاز تصنع القهوة وتبكي. أمسكت بها ماذا حدث ؟ لماذا فعلت بي هذا ؟ إنني أحبك، أرجوكِ افهميني. لقد بنيتني من جديد فلماذا تحطمينني ؟ قلت لها أشياء كثيرة أخرى. كانت تبكي وتقول : إنها تحب شخصاً آخر. نبيل هو الذي طلب منها أن تهتم بي لأنني كنت بحاجة إلى ذلك.
تركتها. دلفت إلى الغرفة. حملت سترتي وعلبة سجائري وخرجت إلى الحديقة. صعدت الدرجات لا أعرف كيف. خرجت إلى الشارع. سرت في العتمة وأن أسمع صوتها وهي تبحث عني. أخذت سيارة أجرة أو ربما لا، نسيت كيف وصلت إلى بيتي وكيف بحثت عن فرشاة أسناني وكيف انتظرت حلول الساعة الخامسة والربع، وكيف وصلت إلى محطة الباصات.
كان الباص يتابع سيره مجتازاً حاجزاً بعد الآخر. كان الجنود والمسلحون يصعدون إلى الباص يدققون في البطاقات ويتفرسون في الوجوه. عرفني بعضهم فرحب بي. ولما وصلنا إلى مدينة (ب) نزلت من الباص قرب مقهى <> حيث تناولت فنجاناً من قهوة <> وبعد ذلك سرت باتجاه دوار طريق الجنوب حيث التقطتني شاحنة عسكرية تابعة للسوريين فأوصلتني إلى المعسكر.

يومياتي مع برلنت

استيقظت على صوت برلنت العالي. كانت تقف على نافذة الدرج بجانب نافذة غرفتي وهي تثرثر مع جارتها التي تسكن في البناية المقابلة. هي تتعمد التكلم بصوت عال لكي أسمعها. طلبت منها عدة مرات ان تكف عن ازعاجي، ولكنها كانت تبتسم وتتمايل وهي ترنو الي بطريقة غريبة وتعتذر. برلنت تحبني وهي الآن تتحدث مع جارتها عن نساء سوف يأتين مساء لرؤيتها. تقول ان العريس يعمل في الامارات وسوف تسافر الى هناك اذا ما حصل النصيب. انها تكذب الملعونة، فقد حدثت ام حسن عن كثير من العرسان، وفي كل مرة كنت أحمد الله انها ستتزوج أخيرا وتريحني من ثرثراتها. ام حسن لا تفهم ان برلنت تتحرش بي. حاولت العودة للنوم، فلم تكن الساعة قد بلغت العاشرة بعد ولكن دون فائدة. نهضت أخيرا بعد ان علمت من برلنت ان في الامارات خادمات آسيويات رخيصات.
عندما كنت أخرج من شقتي، تفرست بي برلنت. صبّحت عليها فردت علي وقد التصق كتفاها بالجدار بينما دفعت جسدها الى الامام. كانت المسكينة عاشقة. كانت تبحث في وجهي عن أي أثر لأخبار خطابها الجدد. شاهدت ام حسن على شباك غرفتها فاندفعت مسرعة الى الداخل كي تبعد شعرها المنفلت عن عيني ثم عادت لتسترق النظر. قالت لي برلنت انها تعتذر فقد نسيت مرة أخرى ان تتكلم بصوت خافت وسألتني ان كانت قد أزعجتني. قلت لها لا، ثم هممت بالنزول ولكنها استوقفتني مرة أخرى. احتارت وقد احمر وجهها بما يمكن ان تقوله لي، فلم أكن أشجعها على الاطلاق بوجهي الجاف، ثم قالت: ” ما في شي” فتركتها ونزلت بينما ظلت واقفة تنظر الي كيف أنزل برشاقة وقد نسيت ام حسن.
كالعادة، ذهبت أولا الى البريد فلم أجد في الصندوق سوى احدى المجلات الملتزمة التي اعتادت احدى المنظمات ارسالها الي دون طلب فتصفحتها ثم تركتها على رف بائع الطوابع، ثم دلفت الى صالون تلميع الاحذية وعندما خرجت ذهبت الى المقهى.
25/7/1995
كنت عائدآ من الخارج حين صعدت الدرج دون اية ضجة كي لا أتفاجأ ببرلنت. أخرجت مفتاح الشقة بكل حرص وانا أنظر جهة باب شقتها المقابل لبيتي. ابتسمتُ لأنني استطعت الهرب منها، وربما لأن هذه اللعبة تجلب لي شيئا من التسلية. ولكنني لم ابتسم طويلا فقد انشق باب شقتها بهدوء في نفس اللحظة التي كنت أدفع فيها باب شقتي ثم خرجت وكأنها تتلصص، ففي هذا الوقت من بعد الظهر يكون أبوها قد عاد من عمله وتناول غداءه واستسلم لساعة قيلولة. كانت برلنت متجملة ويبدو انها قد انتظرت طويلا عودتي قابعةً خلف الباب. نادتني ” استاذ!!” فاضطررت لاجابتها ولكن دون ان أغير سحنتي (فانا ابدو وكأنني مستاء رغم انني لست كذلك) والواضح ان برلنت لم تكن قد اعتادت على طبيعة سحنتي فاضطرت إلى أخذ الحذر. ولكن أي حذر هذا..؟ كانت المسكينة تثير الضحك بسبب طريقتها الخرقاء في العشق.. وتبدو الآن وكأنها قررت القيام بمغامرة. قالت انها تريد استشارتي في أمر هام بالنسبة اليها خصوصا وانني مثقف ومتعلم وعندي خبرة في الحياة. هززت رأسي لتتابع دون ان ابتسم لكلماتها، فانا أعرف انها تجاملني وكل ما كانت تريده هو دقائق لتتكلم معي. قالت: ” خطبني مدرس بيشتغل في الامارات” قلت لها نعم، فسألتني وهي تسدد الي نظرة ذات معنى: ” أوافق والا لأ..؟” حاولت ان أهرب بناظري من عينيها، فقد كانت تلاحق تعابيري بطريقة مكشوفة. انها وبكل وضوح تريد ان تدفعني الى التقدم لخطبتها وكل هذه القصة عن مدرس الامارات تبدو لي مختلقة. انها بكل بساطة عاشقة ومسكينة..
أنهيت الأمر بعدة كلمات، فعليها ان تعرف انني لا أفكر بالزواج من امرأة بسيطة وشعبية مثلها. سايرتها في لعبتها وقلت لها انها لن تندم اذا ما تزوجت المدرس الذي يعمل في الامارات وانني أتمنى لها التوفيق فهي بسعر اختي فاطمة التي عرفتها حين جاءت لزيارتي مع زوجها محمد في العام الماضي.
ابتسمت لها برقة بعد ان تأكدت انني قد انهيت أوهامها بطريقة ناعمة كنت أحسب انها لن تؤذي مشاعرها. أطرقت برلنت صامتة. كنت أنوي الانسحاب ودخول شقتي إلا ان ارتجاف زاوية فمها أوقفني. ظللت واقفا أراقبها باحثا في ذهني عن كلمات أشجعها بها لارتياد مغامرة السفر الى الامارات رغم اقتناعي بعدم وجود مثل هذا المشروع أصلا فشاهدت دمعتين تنسلان من عينيها. رفعت الي عينيها الحمراوين والرطبتين ثم رسمت بشفتيها كلمة ” طيب” واستدارت ثم دفعت الباب وغابت خلفه. سمعت تكة الباب وهو يغلق بنعومة.
16/8/1995
انشغلت في الايام الماضية بكتابة والقاء محاضرة عن المستشرقة الانكليزية الليدي ” آن بلنت “التي زارت المنطقة عام 1878 وكتبت كتابا عن قبائل بدو الفرات تحضيرا لاحتلال جيوش بلادها للمنطقة. كنت استغرق في موضوعي طوال الليل وأظل نائما حتى الثانية عشرة. كنت في بعض الأحيان أترك عملي لأن صورة برلنت وهي تبكي تكون قد هاجمتني فأشعر بالحزن عليها فهي انسانة بسيطة ولكنها طيبة وليس ذنبها انها عشقت شخصا مشغولاً بأمور الثقافة. ثم لاحظت انها لم تعد تزعجني صباحا ولم تعد تقف على نافذة بيت الدرج القريبة من نافذة غرفة نومي لتتحدث بصوت عال مع جارتها ام حسن. وإذا أردت ان أسجل السبب حسب رأيي فإنني أعتقد انني استطعت أخيرا اقناعها بعدم جدوى دعوتي الى خطبتها، أي انها فقدت الأمل بي فتوقفت عن اختلاق مواضيع الخاطبات.
وبسبب انشغالي بالليدي ” آن بلنت “لم ألاحظ تلك السيارة الامريكية فضية اللون ذات اللوحة الاماراتية التي أصبحت تزور الحارة وتقف على الرصيف بشكل عرضاني، كما انني لم أميز ذلك الرجل الاربعيني الذي راح يزور بنايتنا ويصعد الى نفس الطابق الذي تقع فيه شقة برلنت وشقتي. وفي هذه الليلة بالذات سمعت وأنا أكتب هذه الاسطر أصوات زغاريد آتية من مكان قريب، وبسبب من إنني كنت قد أشرعت النافذة وجلست الى طاولة الكتابة فقد حسبت بان الزغاريد تأتيني من بناية ام حسن أو من البناية الملاصقة لبنايتنا، فتركت القلم (هنا بالذات تركت القلم وعدت الى كتابة الاسطر التالية فيما بعد) ليس بسبب انزعاجي من الزغاريد بل لأن برلنت خطرت في بالي فتصورتها حاضرة في العرس وهي حزينة لأن احدى الجارات تتزوج بينما هي ستظل قاعدة في البيت بعد ان جربت حظها معي وفشلت لأنني أخشى الارتباط بانسانة غير متعلمة.
هناك شيء نسيت كتابته في مذكرات اليوم الأول وهو ان وجه برلنت جميل ولديها أنف دقيق وعينان بنيتان واسعتان كما ان جسمها ممتلئ بعض الشيء، وقد أعجبت بها في بداية سكني في هذه الشقة ولكن بساطتها وشعبيتها جعلتاني لا أفكر بها أكثر من ذلك، فمن المستحيل على واحد مثلي، يرتاد الاوساط الثقافية ويكتب ويلقي المحاضرات عن المستشرقين الاوروبيين الارتباط بواحدة مثل برلنت.
قرع الجرس فنهضت لأفتح الباب وأنا أحسب ان احدى زميلاتي المثقفات قد جاءت لزيارتي فقد كنت أواعد أكثر من واحدة واعتدن المجيء إلي حين تسنح لهن الفرص. لم تكن ولا واحدة منهن بالباب بل كانت الجارة ام حسن وقد أتت وقد صبغت وجهها بالاحمر والازرق لتطلب بعض الكراسي لأن ” عقبيل عندك يا استاذ، اليوم عرس جارتك برلنت”.. تساءلت: “عرس؟” فقالت: “نعم، عرس برلنت الله يهنيها” ثم أخبرتني ان العريس مدرس يعمل في الامارات.
19/8/1995
أمضيت الأيام الثلاثة الماضية في البيت. حاولت بشتى الوسائل ان أراها ولكن دون نتيجة، لذا فقد حاولت أن أكتب وصفا لمشاعري بعد ان ظهر غبائي الفظيع. كتبت وأكتب انني أشعر وكأنني خسرت رهانا أو فرصة غنية أو ما شابه. لا أستطيع ان أصف مقدار شعوري بالخسارة، رغم استغرابي هذا الشعور. كنت انتقل من النافذة فأنظر الى الشارع حيث تقف السيارة على الرصيف بشكل عرضاني، ثم الى باب الشقة فانظر في العين السحرية علها تظهر لدقيقة. كنت أريد مشاهدتها، أو بالأصح كنت أود رؤيتها وهي تراني أراها وهي عروس. كنت أريدها ان تعرف انني مندهش.
استلقيت في الفراش ورحت أفكر. إنها إذن لم تكن تحبني وكل أحاديثها عن الخاطبات مع ام حسن كانت صحيحة. هل كنت أتوهم ؟ لقد سألتني رأيي بخصوص زواجها من المدرس. هل كانت تسعى الى نصيحة أم أنها كانت تحبني فعلا وتعطيني آخر فرصة؟ طيب.. كنت أسعى للخلاص منها، فلماذا أشعر بفقدانها الآن؟ ولماذا بكيتْ عندما شجعتها على الزواج من المدرس؟ أسئلة كثيرة أرقتني كثيرا قبل ان أغفو، وعندما استيقظت كانت قد سافرت مع زوجها المدرس الى الامارات..

صبي الفندق

وضع صبي الفندق حقيبتي على حامل مخصص ثم ابتعد ووقف بكل ادب عند حافة الممر الصغير ينتظر مني منحة بعد ان اشعل المدفأة الكهربائية. في تلك الاثناء كنت اتفحص السرير وعندما انتهيت استدرت فوجدته يقف بشكل مثير للشفقة, فنقدته بقشيشا من عدة قطع معدنية دون ان اعدها فانحنى ثم غادر الغرفة.
بعد خمس عشرة دقيقة افقت من شرودي لأجد نفسي اقف في مكان الصبي اتطلع الى الخارج, عبر النافذة. كان المنظر كئيبا بسب فصل الشتاء الذي نحن فيه. لو كان الفصل ربيعا لتغير المنظر واصبح جميلا وربما اخاذا. انه عبارة عن مساحات شاسعة من الارض الجرداء التي يغبشها ضباب شفاف. لون الارض يميل الى الرمادي كلون سترتي الصوفية. الشيء الذي جعلني اتطلع بشرود نحو الخارج كان شجرة عارية الاغصان تنتصب وحيدة على مبعدة من الفندق. اثر بي المنظر الكئيب فأخذت نفسا عميقا ثم اخرجت الهواء من رئتي على شكل صوت يشبه الانين. ولكي لا اجلس على السرير اقتربت من الحامل وفتحت حقيبتي ورحت اسلي نفسي بافراغها. كنت قد حملت معي من المنزل معظم بياضاتي وقمصاني وجواربي وبعض الكتب وكمية كبيرة من الاوراق البيضاء. رتبت الملابس الداخلية في الجارور العلوي ووزعت باقي ملابسي على الجوارير السفلية ثم علقت بدلتي الاخرى, التي يميل لونها الى الاسود, في الخزانة. اما منامتي فقد وضعتها على السرير. بعد قليل كنت اتشمم رائحة المطهرات في الحمام ثم غسلت اسناني ووجهي وحاولت ان اتبسم لنفسي في المرآة ولكنني لاحظت ان العبوس يريحني اكثر فخرجت الى الغرفة وانا اتفادى النظر الى الخارج محاولا رفع معنوياتي. مع ذلك, استلقيت وانا اشعر بالقنوط. لقد جئت الى هنا لانهاء روايتي التي تهرب مني منذ اكثر من عام. كنت قد زرت الفندق بصحبة بعض الاصدقاء منذ عشرة اعوام. كان ذلك في الربيع وكانت الحقول مخضرة والطقس جميلا فظلت ذكرى الايام التي قضيناها هنا ماثلة في مخيلتي. الشيء الذي دفعني الى المجيء الى هنا للكتابة هو السكينة التي تخيم على المحيط. اما عندما اوقفت سيارتي, قبل قليل, وترجلت منها فقد لاحظت ان تغير الفصول قد يترك تغيرا جذريا على الاشياء وخاصة على الفندق, فقد كانت واجهة الفندق قد هرمت. اغفيت لما يقارب نصف الساعة واستيقظت على نقرات خفيفة على الباب. عندما نهضت شعرت بدوار خفيف اعتدت عليه بعد كل سفرة طويلة. نظرت الى ساعة يدي فكانت الثالثة والنصف, اما النهار فقد كان يتراجع مبكرا مما زاد في شعوري بالندم لأنني تركت غرفتي في المدينة واتيت الى هنا لأتمم رواية منفلتة. فتحت الباب فكان صبي الفندق. سألني بكل أدب ان كنت سأنزل لتناول طعام الغداء. مراقبة وجهه الطفولي وادبه الغريب جعلني اتأخر في اجابتي. قلت له سوف انزل فورا فاستدار وابتعد على طول الممر حتى الدرج. كان الممر مفروشا بالموكيت فلم تكن تسمع خطوات الصبي. ظللت اراقبه وهو يبتعد. كان يرتدي قميصا ابيض نظيفا وبنطالا اسود وحذاء لامعا. كان يبلغ الثانية عشرة وخطواته متزنة وبطيئة نسبة الى الاطفال في سنه. عيناه مستديرتان وسوداوان بينما شعره ينسدل على جبهته حتى حاجبيه. استدار الي قبل ان ينزل الدرج ثم اختفى. ظللت واقفا في الممر مستندا الى فتحة باب غرفتي دون ان افكر بشيء محدد. كل ما هنالك انني كنت امدد شعوري بحلاوة حضور الصبي. نزلت وانا اشعر بجوع خفيف. كانت غرفتي في الطابق الثاني من الفندق المكون من ثلاثة طوابق. توقفت في ممر الطابق الاول برهة علني اسمع حركة تنم عن وجود نزلاء اخرين فلم تلتقط اذناي اي صوت فتابعت النزول. كان صالون الفندق في الطابق الارضي هادئا وسيء الاضاءة كما وجدته حين وصولي, وان كان علي ان اصفه فيمكنني القول انه مستطيل الشكل ونظيف وارضه مكسوة بالسجاد. تقع منضدة الاستقبال في الجهة المقابلة للمدخل وهناك زاوية للجلوس صفت فيها عدة مقاعد وثيرة على شكل مستطيل, الى جانب مدفأة ضخمة تعمل على النفط. لاحظت ان معظم مفاتيح الغرف معلقة في اماكنها المرقمة بطريقة لا تلائم فندقا صغيرا ومهجورا مثل هذا, فقد كانت تبتدئ بالرقم مئة في الطابق الاول ومئتين في الطابق الثاني ونفس الشيء في الطابق الثالث. كنت اود الدردشة مع صاحب الفندق ولكنني وجدته يصلي خلف منضدته فاتجهت الى قاعة الطعام. كانت القاعة خالية تماما ونظيفة, اللهم الا من رجل عجوز محني الظهر يتناول حساءه وقد ارتدى كامل ثيابه بما فيها المعطف وقبعة مبسطة ذات رفراف في الامام. جلست الى مائدة بجانب الجدار وبشكل اواجه العجوز. تسليت بمراقبة الرجل السبعيني. بعد قليل دخل الصبي حاملا طبقا وعندما شاهدني ابطأ في مشيته قليلا ثم تابع باتجاه مائدة العجوز. وضع امامه الطبق ثم راحا يتهامسان برهة. كان الصبي يلصق فمه بأذن الرجل ويحادثه, اما هو فقد كان يهز رأسه اكثر مما يفتح فمه المشغول بالمضغ. استقام الصبي, ودون ان يأتي الي ليسألني عما سأتناول, نظر نحوي برهة ثم عاد الى المطبخ. تابعته حتى غاب خلف الباب. عدت الى النظر الى العجوز. كان منهمكا في مضغ طعامه. كان يبلل قطع الخبز في كأس الماء ليسهل عليه عجنها بأسنانه البديلة. دخل الصبي حاملا صحن حسائي. وضعه امامي بخفة ثم ناولني الملعقة وابتعد. اردت ان اسأله ان كان هو الذي يحضر الطعام ام ان هناك طباخين, فلم اكن اسمع صوتا من المطبخ, الا انني فضلت تناول الطعام فتركته يذهب ليقترب من العجوز. جلس الى جانبه واسند رأسه بقبضته وراح يهمس له. لم استطع التقاط اية كلمة لأن فم الصبي كان قريبا من اذن العجوز. عندما خرجت من قاعة الطعام كان مالك الفندق قد انتهى من صلاته وجلس ناعسا خلف طاولة الاستقبال. كنت احسب انني سأشاهد العجوز جالسا في الصالون, لأنه انهى طعامه وخرج قبلي مستندا الى كتف الصبي, ولكنني لم اجد اثرا له. فكرت ان اسأل المالك عن العجوز وعلاقته بالصبي ولكنني فضلت تأجيل ذلك لكيلا يحسبني فضوليا. استقام المالك في جلسته حين رآني ولكنه لم يكلمني. جلست في احد المقاعد التي تشكل مستطيلا بجانب النافذة. كان الظلام قد حل بكثافة, على غير عادته, بينما القى مصباح كهربائي ضعيف شيئا من النور على مساحة ضيقة خارج الفندق وانعكس على زجاج سيارتي. بسهولة عرفت ان الضباب الخفيف الذي كان يسود المكان في النهار قد زال نهائيا. احسست بدفء لذيذ الى جانبي فاستدرت. كان الصبي يهم بوضع فنجان من الشاي امامي على الطاولة القصيرة. ابتسمت له ولكن عينيه السوداوين المستديرتين اطرقتا. حاول الابتعاد بعد ان وضع طبقا فيه بعض مكعبات السكر, فسألته: ـ ما هو اسمك؟ قال ان اسمه ايوب واستدار فورا ليبتعد فاصطدم بالمالك الذي ابعده عنه بدفعة من يده. جلس المالك على مقعد قريب بينما كنت اتابع الصبي الذي استدار والقى علي نظرة سريعة قبل ان يدلف الى قاعة الطعام. شاهدني انظر اليه فقال المالك: ـ انه من القرية القريبة. ـ ولكنه صغير ليقوم على خدمة فندق. حرك المالك يده بكسل وقال: ـ في الشتاء لا يأتينا زبائن كثر, ثم انه يتيم الاب وامه هجرته وذهبت لتتزوج في المدينة. ترك المدرسة ليعيل جده. ـ وهل ذلك الرجل العجوز جده. قال نعم, ثم شرح لي كيف ان الصبي لا يكلفه سوى طعامه وطعام جده. امضيت فترة اثرثر مع المالك عن الشتاء القارس في هذه الاصقاع الوحشية. نقلت له دهشتي من بنائهم للفنادق في هذا المكان. اخبرته بأنني كنت هنا مع بعض من اصحابي قبل عشر سنين ولكن في فصل الربيع. حاول ان يتذكرني ولكن عبثا. اخبرته بأنه لم يكن هناك زبائن ايضا. لم يجيبني عن تساؤلي حول السبب الذي دفعهم لبناء الفندق في هذا المكان البعيد, فنهضت بعد دقائق, ودعته ثم صعدت الى غرفتي. جلست خلف الطاولة ورحت اتصفح فصول الرواية غير المكتملة. كنت قد قرأتها عشرات المرات بسبب رغبتي المتكررة في متابعة كتابتها فلم اجد في نفسي الرغبة في قراءتها من جديد. كنت احفظ وقائعها عن ظهر القلب. بينما كان عابد, الذي تجاوز الخمسين من عمره, يقطع احدى الحدائق العامة يوما ليختصر الطريق, واذ به يلتقي بسهام. لم يكونا قد التقيا منذ خمسة وعشرين عاما بعد ان فشل حبهما فتزوج هو من ابنة عمه وتزوجت هي من زميل لها في المدرسة الابتدائية التي كانت تعمل فيها كمدرسة. صارا يلتقيان باستمرار فيجلسان على احد المقاعد ليحاكما نفسيهما, من كان السبب في فشل حبهما ولماذا فشل؟ كانا يسترجعان سنوات حبهما ثم السنوات التي اعقبت زواجهما من شخصين آخرين زواجا تقليديا بحتا. هل كانا سعيدين في زواجهما, وكيف ينظر كل الى الاخر بعد كل هذه السنين؟ كانا يحتدان مرة بسبب المصاعب التي يلاقيها كل منهما, ويتلاطفان مرة اخرى حين يتحول الحديث الى اللحظات الحلوة التي قضياها معا في شبابهما. لقد اكتشفا انهما غير سعيدين وانهما لا يزالان يحب كل منهما الاخر. مرت الايام والاسابيع وهما على هذه الحالة. اصبحا ينتظران حلول ساعة اللقاء في الحديقة العامة ليهرعا للمناجاة والذكريات, وفي احد الايام يتغيب عابد. تنتظره سهام طوال الساعة ولكنه لم يأت. ترحل على امل ان تلقاه في اليوم التالي ولتسامحه على تغيبه لأن (الغائب عذره معه) ولكنه لن يحضر لا في اليوم التالي ولا بعده. تعرف سهام بأنه قد توفى بعد ان قرأت نعوته مصادفة. تحزن عليه وتبتئس. لقد رحل بعد ان اعاد نكئ الحب القديم والوحيد في حياتها. تتابع سهام حياتها مع اسرتها, ولكن بعادة جديدة لم تكن تملكها سابقا. اصبحت تطلق تنهدات حارة وعميقة دون سبب معروف. استيقظت صباحا وقد نمت ليلتي بعمق. مستلقيا فترة محاولا التقاط اي صوت سواء داخل الفندق او خارجه, ولكنني لم احصل على دليل على ان الحياة مستمرة. نهضت من سريري لأدخل الحمام. توقفت عند النافذة ونظرت الى الخارج. كان النهار سقيما وباردا والجو هادئا بدون عواصف بينما عاد الضباب الشفاف ليملأ الكون. لا طير يطير ولا وحش يسير والارض عادت لتكتسي بلون فضي مريع. كدت ابتعد عن النافذة لولا ان لفتت انتباهي تلك الشجرة الوحيدة عارية الاغصان. مسحت زجاج النافذة بكم منامتي ثم قربت وجهي منه. اصابتني رعشة في جسدي فقد كان هناك العجوز اياه وقد جلس على كرسي بشكل ادار ظهره المحني الى الفندق دون ان يأبه للصبي الذي كان يرتع ويلعب ويقفز في الهواء الى جانبه. فتحت النافذة غير آبه بالبرودة لأتمكن من معاينة المنظر بشكل افضل. صار الصبي يدور حول جده الجالس, الذي يبدو وكأنه غائب عن الدنيا, بهرولة بطيئة يتخللها دوران حول الذات مفتوح اليدين. شاهدني الصبي فتوقف. اقترب الى محاذاة جده ثم وقف يواجه الفندق الذي كنت اقف في احدى نوافذه المفتوحة دون ان آبة للطقس البارد. ظللنا هكذا فترة. العجوز الجالس والذي لا ارى سوى ظهره المحني, والصبي الذي يقف الى جانبه وانا الذي اقف على النافذة. ما كنت مشدودا اليه هو منظر الشجرة والعجوز والصبي يقف تحت اغصانها العارية وفي الاعلى سماء مكفهرة وفي الاسفل ارض تبدل لونها بفعل الصقيع. شعرت اننا تواجهنا لمدة كافية فاحسست بالبرد فتراجعت واغلقت النافذة. دخلت الى الحمام. وبينما كنت احلق ذقني انتبهت الى ان المنظر لا يغيب عن بالي. نزلت الى قاعة الطعام وجلست الى نفس الطاولة التي احتللتها في الامس. جاء الصبي بالافطار الذي كان عبارة عن خبز التنور وقطعة من الجبن وعدة حبات من الزيتون وشيء من مربى المشمش والشاي. لاحظت ان وجه الصبي لايزال محمرا من برودة الخارج. كان يطرق عينيه الى الاسفل حالما تلتقي بعيني. سألته عن صحة جده فقال انها لا بأس بها. سألته ان كان بامكاني التحدث اليه فقال انه ذهب الى بيته في القرية ثم اسرع في الاختفاء داخل المطبخ. تناولت افطاري بينما كانت صورة العجوز الجالس تحت الشجرة لا تبارح مخيلتي. خرجت الى صالون الفندق وتبادلت الاحاديث مع صاحبه ثم خرجت لأتنشق الهواء البارد. وقفت وظهري الى الفندق اتمعن الشجرة والمقعد المتروك تحتها. ظللت واقفا لعدة دقائق حتى شعرت بقدمي تتجمدان وبعيني تدمعان من شدة البرودة فعدت الى الصالون لأجد صاحب الفندق يصلي فصعدت الى غرفتي وقد صممت على الجلوس للكتابة. سأصف بسرعة ما كنت اشعر به حين فتحت اوراقي وامسكت بالقلم. كنت اشعر بدغدغة حلوة في صدري بسبب الهدوء والصبي وجده والشجرة والطقس الشتائي الرمادي في الخارج. اعدت قراءة عدة اسطر وكانت بالتحديد عن الحديقة العامة ولحظة لقاء بطلي ببطلتي. شعرت انني لا استطيع التواصل مع تلك اللحظة او تخيل تلك الحديقة العامة. كانت صورة الشتاء خارج الفندق والشجرة العارية تلح علي وتجعل حديقتي العامة تافهة. ماذا لو اعدت الكتابة؟ هذا محال, فقد كتبت اكثر من ثلث الرواية. علي ان اعيد ملاءمة مخيلتي مع ما كنت قد كتبته حتى الان. وجدت انني لم اتمكن من كتابة سطر واحد فتركت اوراقي وعدت للنزول الى الصالون لقتل الوقت في الحديث مع صاحب الفندق. تحدثنا عن الطقس وعن القرية وتمكنت من معرفة اين يقع بيت الجد. فكرت بالذهاب لمعاينة البيت ولكن البرد الشديد في الخارج منعني من التفكير بشكل جدي في ذلك. اخبرني ان عروسين من دمشق جاءا يقضيان شهر العسل في فندقه ولكنني لن اراهما في فترة الغداء لأنهما طلبا ان يقدم لهما الطعام في غرفتهما. صعدت الى غرفتي انتظارا لموعد الغداء فاغفيت لمدة ساعة حلمت اثناءها بأحداث روايتي ولكن بشكل مختلف عما كتبته حتى الان. حلمت بأن بطلي كان يجلس في حديقة عامة, رغم البرد الشديد مرتديا معطفا ثقيلا ويحمي رأسه بقبعة عادية بينما انحنى ظهره بفعل تقدمه في السن, فقد كان في السبعينيات. للغرابة كان هناك صبي في الثانية عشرة يلعب الى جانبه. في هذه الاثناء تقترب بطلتي آتية من احد مداخل الحديقة لتخرج الى الجهة المقابلة. كانت هي ايضا امرأة عجوز وربما بلغت منتصف الستينيات. كانت تحمل حقيبة بلاستيكية وتضع على رأسها منديلا صوفيا. حلمت بالمرأة تقترب من مكان الرجل العجوز في مشهد لأشجار عارية تحت سماء داكنة. كانت تسير وهي تنظر الى الصبي وعندما حولت عينيها الى العجوز استيقظت. ظللت لدقائق جالسا في السرير افكر في الحلم وفي وقائع روايتي المكتوبة. كان المنظر يضغط علي ولكنني آثرت النزول لتناول طعام الغداء. كانت مفاجأة حين وجدت العروسين يحتلان طاولة في صالة الطعام. جلست قبالة العجوز وعلى يسار العروسين. كان الشاب يهتم بطعام عروسه التي كانت تتمنع خوفا من ازدياد وزنها. كانا يتهامسان ويبتسمان. اما العجوز فقد كان يمضغ بصعوبة مستغرقا فيما يفعله. لاحظت انه لايزال يحافظ على وسامة ايام الشباب رغم كبر سنه. وبينما كان الصبي يتنقل بين المطبخ والصالة حاملا الصحون الى طاولاتنا انتبهت الى مصادفة غريبة, فقد كان الشاب المتزوج حديثا يشبه الى حد كبير الرجل العجوز. اقترب الصبي من جده وراح يهتم بتليين قطع الخبز ويهمس له بكلمات لم التقط شيئا منها. انهى العروسان تناول طعامهما وخرجا من الصالة. قررت ان انتظر لكي يفرغ الجد من تناول طعامه لأتحدث معه ولكنني وجدت ذلك غير مناسب, فقررت ان انتظره في الصالون. خرجت فوجدتهما يقفان قرب النافذة يتفرجان على السماء الغائمة والارض الجرداء. دعاها للخروج ولكنها ابدت عدم رغبة في ذلك. كانا يضحكان بينما صاحب الفندق يراقبهما بصمت. جلست بجانب المدفأة وانا اتساءل كيف يخطر في بال العرسان ان يقضوا شهر العسل هنا وفي هذا الوقت. دفء الداخل وبرد الخارج اعاد اليهما نشاطهما فتهامسا ثم صعدا الى غرفتهما. ظللت صامتا لأنني لم اكن متحمسا للحديث مع صاحب الفندق, وما هي الا دقائق حتى خرج العجوز من صالة الطعام فنهضت اليه ادعوه لشرب الشاي معي. شكرني واعتذر, عندها طلبت منه مرافقته حتى القرية للفرجة وقتل الوقت فرفع كتفيه وقال كما تريد. تقع القرية على مسافة ثلاثمئة متر من الفندق وهي مكونة من عدد ليس بكثير من البيوت الحجرية ذات الاسقف البيتونية. كان منظرها كئيبا واشجارها عارية وتخلو طرقاتها من الناس تقريبا. سرت مع العجوز مسافة ولكنه ظل صامتا, عندها حدثته عن تهذيب حفيده البالغ وعن اهتمامه الشديد بجده. سألني عن مهنتي فلم اقل انني كاتب بل اكتفيت بالعموميات فلم يسألني كم اربح بل دعا لي بالرزق الوفير. قرب بيته خرجت عن تحفظي وسألته عن كنته التي تركت ابنها وذهبت الى المدينة لتتزوج. توقف لينظر في وجهي. كدت اعتذر عن تطفلي الغبي ولكنه عوضا عن زجري دعاني الى الداخل فدخلنا وكان البيت دافئا جدا ورطبا فقد كان هناك قدر كبير لسلق البطاطا فوق الموقد. كان البخار يتصاعد بكثافة وهذا ما دفعه على ما يبدو لرفض دعوتي الى الشاي في الفندق. انزلت له القدر ثم قمت بتحضير الشاي وجلسنا نحتسيه بينما كان يحدثني عن الماضي. قال ان ابنه كان قد احب امرأة من القرية المجاورة ولكن اهلها ابوا ان يزوجوها له لأنهم كان عليهم ان يسدوا دينا قديما الى احد الاقارب فزوجوها له على ان يصبح الدين مهرها. حزن الشاب وابيض شعره وزهد بالحياة واطلق لحيته. ظل على هذه الحال مدة, ثم قرر ان يتزوج من فتاة جميلة من بنات القرية فرزق منها بهذا الصبي ايوب الذي يعمل في الفندق. بعد مدة بدأت بعض الاقاويل تشاع حول لقاءات كانت تجري بين ابنه وتلك المرأة من القرية الاخرى. قالوا انهما شوهدا جالسين وهما يتحدثان, مجرد لقاءات للحديث فحسب تتخللها زفرات وبعض الدموع التي كانت تطلقها المرأة, فقد كانت تشاهد دائما وهي تمسح عينيها. وفي احد الايام اصيب الرجل بعوارض غريبة, قد تكون مشابهة لحالات التسمم, ومات. هناك من يقول ان زوج المرأة هو الذي دس له السم ولكن, من يعلم.. الله وحده يعلم. حل صمت القبور على البيت فمكثت لحظة ثم نهضت وودعته وخرجت. كنت اعرف باقي الحكاية. سرت حتى الفندق وقد نسيت شد معطفي على جسدي دون ان اشعر بالبرد, فقد كنت شاردا بين احداث روايتي وبين قصة العجوز. لم انتظر حتى اليوم التالي, فقد صعدت ولملمت اوراقي وحزمت حقيبتي وطلبت الحساب من صاحب الفندق الذي استغرب قراري المفاجئ. جاء الصبي ليحمل لي الحقيبة الى السيارة. كان حزينا. منحته بقشيشا مجزيا ثم قبلته على رأسه وشكرته لأنه يهتم بجده. ابتعدت بالسيارة, وقبل ان يطوي المنحدر الفندق, شاهدت الصبي لايزال يقف يراقبني ابتعد. غاب الفندق خلفي وغابت الشجرة عارية الاغصان ولكن يوما واحدا في هذا الفندق جعلني مشوشا. قررت ان اعود للكتابة حالما اصل بيتي ولكن, حتى الان لم اكمل تلك الرواية, ويبدو انني لن اكملها. ربما سأعيد كتابتها يوما.

صورة وثوب حرير وقارورة عطر

في إحدى المرات, وبينما كان أصحاب البيت غائبين, استطاع احد اللصوص الوصول الى فرندة الطابق الثاني بخفة ونشاط ثم قام بقص دائرة في زجاج الباب تتسع ليده بوساطة أداة خاصة ودخل الى الشقة. انتقل فوراً الى غرفة نوم الزوجين وراح يعبث في الخزانة والجوارير باحثاً عن المصاغ والمجوهرات, الا انه أثناء ذلك وجد الخزانة مملوءة بثياب الزوجة الحرير فوقف يتشممها ثوباً ثوباً فتملكه سحر طغى على قلبه فرَّق حاله. أمضى وقتاً طويلاً وهو يفعل ذلك, إلا انه تذكر ما جاء من أجله فترك الثياب وعاد للبحث عما خف وزنه وغلا ثمنه, فانتقل الى الخزائن الأخرى وقبل أن يفتحها وجد بروازاً فيه صورة امرأة مركوناً بجانب السرير فجلس وقرّب البطارية التي كان يستعين بها لإنارة طريقه وراح يتمعن في الصورة.
كانت المرأة في الصورة غريبة الجمال, تشع سحراً لا يمكن تفسيره سوى بسبب جمال عينيها ودقة أنفها وأناقة تسريحتها. كانت المرأة تبتسم بسعادة من دون أي تصنع أو تظاهر. اكتشف اللص سر سعادتها في جمالها وصحتها. كانت في منتصف العشرينات من عمرها, شقراء الشعر ويفتر فمها عن أسنان بيض مرصوصة لا شائبة فيها. ظل الرجل يتمعن في رسم المرأة حتى أنه نسي نفسه. منذ مدة طويلة لم تسحره امرأة مثل هذه, بل قل انه لم يسبق له أن وجد نفسه مسحوراً في هذا الشكل في سنينه الأربعين كلها. حياته كلها قضاها في جو من القباحة, فقد نام في السجن ست سنين لم يشعر خلالها بأية بهجة مصدرها جمال أو رقة أو نعومة. كما أن أمه (رحمها الله) كانت سليطة اللسان وبشرة يديها خشنة وموجعة حين كانت تصفعه, وكان وجهها نحيلاً وشفتاها مزمومتين لا تنفرجان إلا عن صراخ وعويل وشكوى. أما نفيسة التي ورطته بنفسها فتزوجها فقد كانت لئيمة وصاحبة مشكلات حتى انها طلقته وهو في السجن.
كان ثوب نوم المرأة الحرير مركوناً على السرير فقرَّبه منه وراح يتلمس نعومته وهو يتابع النظر الى الصورة. وجد نفسه يحلِّق في ملكوت من النعومة والسكون والجمال, ولكي يعيش اللحظة في شكل كامل أمسك بالثوب وراح يتشممه وهو يجمع نسيجه بيديه على وجهه بينما كانت امرأة الصورة تبتسم له. شعر بحنان طاغٍ فنسي بريق الذهب فنهض ودس الثوب والصورة وقارورة عطر نسائي لطيفة التصميم في حقيبته الصغيرة المعلقة على كتفه ثم خرج بالطريقة نفسها التي دخل بها.
شغلت المرأة ذهنه, بل قل انه أحبها. صار كل ليلة يطفئ النور المبهر ويترك مصباح الحمام مشعولاً (لم يكن يملك مصباحاً ليلياً) ثم يتمدد على سريره ويغرق في تلمس أشياء المرأة وشمّها والنظر اليها. في الواقع أصبح ينتظر الليل بفارغ الصبر لكي يعود الى طقسه. من وقتها أصبح أكثر ليونة وأكثر هدوءاً وصار يتلاطف مع أطفال العمارة ويمنحهم الفرنكات. ثم اشترى شريطاً لفيروز وأضاف أغانيها الى طقسه الليلي وأصبح كثير التنهد.
بعد مدة جد نفسه مدفوعاً الى الشارع الذي يقع فيه بيت المرأة والذي دخله ليسرقه. كان يريد أن يكحّل عينيه برؤية صاحبة الصورة وجهاً لوجه. تحمم وقص شعره وحلق ذقنه عند المزين “قصر الملوك” ثم ارتدى قميصاً نظيفاً ولمع حذاءه وانطلق. كان الشارع هادئاً في وضح النهار وليس مثل حارته التي بدأ يزهق من ضجيجها, أما البناية التي يقع في طابقها الثاني بيت المرأة فقد كانت أنيقة ونظيفة وذات ألوان محببة. صار يروح ويأتي أمام البناية ولكن الفرندة اياها ظلت مغلقة. لاحظ, بنظره القوي, انهم قد أصلحوا زجاج بابها. لم يشعر بأسف في داخله لأن اقتحامه بيت المرأة أتاح له تلك المشاعر التي بدأ يحس بها في نفسه. ثم انه لم يسرق “حبيبته” ولم يستول على مصاغها وكل ما فعله انه استعار منها ثوب نومها الحرير وصورتها وقارورة عطرها. وجد مكاناً ظليلاً يستطيع منه رؤية فرندة المرأة, فوقف فيه وراح ينتظر. كان كل شيء هادئاً ومسالماً يشبه الى حد بعيد السلام الذي كان يشعر به وهو يحتل كيانه. لو سأله أحد ما في تلك اللحظة عما به لقال انه عاشق, وان العشق جميل وان المرأة هي أجمل ما في الكون. إلا أن صوت محرك سيارة مقبلة من الخلف عكر عليه أحلامه, بخاصة حينما توقفت بطريقة رعناء, ونزل منها ثلاثة رجال يحملون المسدسات. حين ذلك استفاق ليجدهم يمسكون به بطريقة آلمته في شدة ثم أدخلوه برعونة في السيارة فتمزق قميصه. أجلسوه في الوسط ووضعوا يديه في الكلبشات وراح أحد الرجال يضغط على عنقه بقوة ثم انطلقت السيارة.
ارادوا اثناء التحقيق معه في قــسم الشرطة ان يشير الى المكان الذي خبأ فيه المجوهرات التي ادعت المرأة انها فقدتها تلك الليلة.

آنستان وأرملة

عندما اندلعت حرب الثمانية والأربعين ركب الحماس السيد مصباح بشكل مفاجئ فانضم إلى جيش الإنقاذ وسافر وهو يعلق بندقيته على كتفه إلى فلسطين، ولكن سرعان ما جاء خبره في رسالة قصيرة من القيادة موجهة إلى زوجة البطل الشهيد فعرفت مديحة أنها ترملت وهي عروس شابة لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، فعادت إلى بيت أهلها لتنضم إلى أختيها العانستين فاطمة وسعدية.

أصبحن ثلاث نساء يسكنّ بيت العائلة الكبير، وكان الناس في الحي اعتادوا احترام العانستين فيذكرونهما بصفتهما آنستين، أما الآن وبعد أن انضمت اليهما الأرملة مديحة فقد أصبحن ثلاث “آنسات”، وكانت الآنسة فاطمة هي أكبرهن بينما كانت مديحة أجملهن إلا أنها قررت أن تنهي قضية الجمال هذه فتوقفت عن التبرج ولم تعد ترتدي سوى الملابس السوداء حتى بعد أن انقضت أيام العدة وأصبح بإمكانها مواجهة الرجال، ولا بأس من القول بأن أختيها العانستين كانتا مثلها غير ميالتين لارتداء الألوان الزاهية أو لصباغ الشفاه والوجنات بالأحمر إلا أنهما لم يرغما نفسيهما على ارتداء الملابس السوداء باستمرار فهذا تعصب لا معنى له وقد ارتدى الجميع يوماً الملابس السوداء حزناً على وفاة الأب والأم إلا أن الجميع خفف من الحزن حتى أن مديحة تزوجت السيد مصباح صديق أخيها مدحت وارتدت في ليلة زفافها البدلة البيضاء.

ومدحت هذا هو الأخ الأكبر والوحيد للآنسات وهو الذي يدير مصالح العائلة التي أورثهم إياها الأب وقد تزوج يوماً من ابنة ملاك أراضٍ ويعيش معها بسعادة في أرقى أحياء المدينة، ونقول “بسعادة” لأن العروس كانت همست في أذنه في فترة الخطوبة بأنه إذا أراد أن يجعلها “سعيدة” عليه أن يخطط ليسكنها في بيت خاص بعيداً عن وكر النساء هذا وقد كان لها ما أرادت.

كانت الآنسة فاطمة تمضي وقتها بالتطريز على الطارة وكانت الأقمشة المطرزة تستخدم فيما بعد كشراشف وأغطية مخدات وطاولات وغيرها من الأمور المفيدة، وعندما امتلأ البيت بالأغطية بدأت بتطريز المربعات والمستطيلات كما يحلو لها فاكتشف أخوها مدحت بأن هذه المطرزات تصلح للتعليق على الجدران كلوحات فنية وقد طلب منها إهداءه لوحة تمثل تاريخ المدينة منذ أن وصل إليها المغول وحتى اليوم فتنازلت له عنها فوضعها في برواز أنيق وعلقها في صدر غرفة الضيوف في بيته ليدهش بها ضيوفه من القناصل الأجانب.

أما الآنسة سعدية فقد كانت تهوى الطبخ، وكانت تقدم كل صباح لشريف، وهو العجوز الذي كلفه مدحت بتموين الآنسات بكل ما يلزمهن، قائمة بالخضار والحبوب واللحوم وغيرها من المواد الأولية اللازمة للطبخ ثم تحتل المطبخ لساعات تحضر الأطباق المتنوعة والشهية التي لن تجد من يتناولها، إلا أن الآنسة فاطمة ومديحة، وإكراما ًلأختهما الآنسة سعدية، يقمن بتذوق الأطباق بلقيمات معدودة ثم يدعين الشبع بينما كانت الطباخة الماهرة تأكل حتى الامتلاء، ليس لأنها كانت أكولة بل لأنها لم تكن تحب أن تتحول الى مجرد طباخة تصنع الأطباق لموائد الجيران فقط.

أما مديحة فقد كانت بلا أي اهتمام أو موهبة تشغل بهما وقتها الطويل والممل، ولذلك فإنها كانت، أثناء جلوسها وحيدة في غرفتها أو على الشرفة مع أختيها في الأمسيات أو حين تلجأ إلى السرير وقت النوم، تعود بذهنها إلى العشرين شهراً التي قضتها بسعادة مع زوجها المرحوم الشهيد، وخاصة تلك اللحظات الحلوة التي كان يضمها فيها ويقبلها ويداعبها أو يحنو عليها حين تكون مريضة أو يدغدغها حين تكون بمزاج عكر.

بعد ثلاث سنوات من عودة الأرملة مديحة بدأت آلام المفاصل تهاجم الآنسة فاطمة، فأصبحت بطيئة الحركة ودائمة الشكوى من مفاصلها التي تضخمت وراحت تسبب لها الأرق، وأصبحت للعجوز شريف مهمة أخرى وهي أن يستدعي الطبيب حين يشتد الألم على الآنسة فاطمة ثم أن يحضر الأدوية الموصوفة من الصيدليات. بعد ذلك بقليل ظهرت أعراض مرض السكر على الآنسة سعدية وهذا الطبيب الشاطر هو الذي شك بوجود المرض من تشخيص الأعراض الظاهرة فطلب فحصاً للدم، وبما أن الآنسات الثلاث لا يخرجن من البيت مطلقاً فقد كان على العجوز شريف أن يحضر ممرضاً خاصاً ليأخذ عينة من دم الآنسة التي بسبب رغبتها في تذوق كل الأطعمة التي كانت تحضرها، امتلأت بعض الشيء.

بسبب اكتشافها لمرضها ازدادت أعباء الآنسة سعدية فقد أصبحت تمضي وقتاً أطول في المطبخ لأنها صارت تحضر أطباقاً تناسب مرضى السكر بالإضافة إلى الأطباق التي تناسب أختيها والجيران والعجوز شريف الذين لا يعانون من هذا المرض اللئيم. في هذا الوقت بالذات، أصيبت الأخت الثالثة، الأرملة “الآنسة” مديحة بمرض خاص، ليس من المناسب استدعاء الطبيب حاييم اليهودي، الذي كان يعالج أختيها من مرضيهما، للقضاء عليه (ثم انه يهودي وهي أصبحت تكره اليهود منذ قتلوا زوجها في فلسطين وأقسمت يميناً مغلظاً بأنها لن تنكشف عليه إن أصيبت بمرض ألزمها الفراش).

هذا المرض الخاص الذي لا يصيب سوى الأرامل من النساء هو مرض الحنين للزوج المتوفى. أصبحت تتطلبه أكثر من أي يوم مضى. أصبح يأتيها في المنام فيجلس معها ويخاطبها وتخاطبه وفي كثير من الأحيان صارت تناديه في اليقظة لتسأله عن أمر خطر في بالها وحين تستدير، بعد أن يطول انتظارها له ليجيب، لا تجده فتعرف أنه غير موجود فتتلبسها حالة اكتئاب مؤلمة فتجهش بالبكاء.

وجدت مديحة أن الأحلام ترضيها وتخفف عنها ألم الفراق أكثر من اليقظة فراحت تكثر من النوم لعلها تقابل الزوج العزيز. أصبحت تمضي نصف يومها في النوم وعندما تستيقظ دون أن يكون قد جاءها في الحلم، فإنها تكتئب وتصمت وتمضي بقية يومها في إطلاق التنهدات والأنين وتصبح رقيقة جداً وتذرف الدموع في أية لحظة. وقد اعتادت الآنسات التحلق حول المذياع في ساعة معينة من المساء لمتابعة المسلسل الإذاعي اليومي “بعد الغروب” وكان قصة رومانسية عن الحب والتضحية وفيه كثير من الدموع. ففي حين كانت فاطمة وسعدية تستمعان وهما تعملان (كانت فاطمة تطرز وسعدية تقشر الباذنجان أو البطاطا) كانت مديحة تنشغل بكفكفة دموعها التي تذرفها بغزارة والتمخط في أحد مناديل المرحوم التي قامت بتطريز اسمه عليها بنفسها وإهدائه إياها أثناء فترة الخطوبة.

أما الأوقات الأخرى التي كانت مديحة تشعر بفقدان زوجها فهي عندما كن يجلسن في الشرفة المطلة على الشارع الرئيسي في فترة ما بعد العصر وحتى ما بعد المغيب، حيث تقل حركة السيارات ويكثر المتنزهون على الأرصفة، وبما أنها تجلس دون أن تشغل يديها ونظرها خلافا ًلأختيها فإن أي زوج من رجل وامرأة يمر قرب الشرفة يجعلها تتحسر على أيام المرحوم حين كان يطلب منها أن ترتدي أجمل ما عندها وتخرج معه للنزهة فتشبك يدها في يده ويسيران بتمهل وهما يتحدثان في أمورهما الزوجية مثل الاسم الذي ينويان اطلاقه على طفلهما الذي سيأتي، رغم تأخر ظهور أعراض الحمل عليها وعدم انقطاع عادتها الشهرية، أو التحدث عن مشاكل الزوج في العمل وغيرها. إن ظهور زوج وزوجة على الرصيف المقابل وهما متشابكي الأذرع يجعل مديحة في حالة حسرة وتألم على الزوج الراحل وتجد نفسها، دون ارادتها، تذرف الدموع وتتأوه وتتنهد فترتفع أعين الأختين المشغولتين في التطريز أو التقشير لتلقيا عليها نظرة حنونة ولكن لفترة قصيرة جداً، ورغم تضامنهما مع أختهما فهما لا تعرفان مدى الحنان والحسرة اللتين تعانيهما مديحة ، فالآنستان لم تجربا الزواج ولم يضمهما رجل إلى صدره ولم يكتب لهما خطيب رسائل غرامية ولم يهمس لهما زوج بكلمات لطيفة ومحببة تدغدغ أعمق أعماقهما.

انتبهت الآنستان إلى أن اختهما الأرملة تمر في أزمة، ولكن ما العمل، كيف يمكن مساعدتها، فمثل هذه الأزمات النسائية التي تعاني منها لا يمكن من أجلها استدعاء الطبيب لكي يعالجها منها؟ فالدكتور حاييم، حتى ولو وافقت مديحة على عرض نفسها عليه، لا يمكن أن يفيدها. كانتا تنتهزان فرصة نومها إلى ساعة متأخرة من الضحى لتجلسا وتتداولا في الأمر وهما منشغلتان في أمورهما. إن من أصعب الأمور مساعدة أرملة فقدت زوجها في عز سعادتها الزوجية حين يعن عليها المرحوم ويحتلها حنين جارف إليه. خطر في بالهما في بداية البحث أن تتحدثا إلى أخيهما الأكبر مدحت ولكنهما وجدتا أنه من غير اللائق فتح مثل هذا الموضوع، الذي يخص عواطف اختهما وحنينها إلى زوجها المرحوم، مع الأخ الأكبر. طال أمد مشاوراتهما عدة أيام، وفي لحظة إحباط، أصيبتا به بسبب عدم وصولهما إلى حل، قررتا أن تستشيرا طبيب العائلة الذي تعرضان عليه مشاكلهما الصحية ابتداء من آلام الروماتيزم وانتهاء بمرض السكر مروراً بآلام الدورة وكسل الأمعاء.

وفي أحد الأيام أرسلتا العجوز شريف إلى الطبيب تدعوانه لزيارتهما لبحث أمر في غاية الأهمية وقد كتبتا على قصاصة من الورق أنه يستحسن أن يقوم بزيارته صباحاً قبل ذهابه إلى عيادته، آخذتان بعين الاعتبار أن تتحدثا معه بحرية، ففي هذا الوقت تكون مديحة في سابع نومة تحلم بفقيدها المحبوب. وصل الطبيب وهو يحمل حقيبته الجلدية المنتفخة بالأدوات اللازمة للمعاينة والتشخيص السريع من سماعات ومطرقة وجهاز زئبقي لقياس الضغط وعدة علب تحتوي كل منها على حقنة قام بتعقيمها بالماء المغلي في الليلة السابقة، كما كانت حقيبته المنتفخة تحتوي على الكثير من نماذج الأدوية الإسعافية مثل مثبطات الألم سريعة المفعول ومهبطات الضغط وغيرها.

أجلستاه في ركن قصي بعيد عن غرفة مديحة ثم قدمتا له القهوة بالحليب مع بعض قطع الحلويات التي قامت سعدية بتحضيرها خصيصاً للمناسبة ثم راحوا يتحدثون همساً. أخذت فاطمة على عاتقها شرح الموضوع للطبيب فليس من المناسب أن تتبارى الآنستان في الشرح خاصة وأن سعدية تفضل أن تراقب رد فعل الطبيب حين يتذوق حلوياتها فلاشيء يمكن أن يسعدها أكثر من أن ترى الآخرين يتلذذون حين يتذوقون شيئاً من ابتكاراتها. أخبرت الآنسة فاطمة المشكلة كلها للطبيب، وعندما انتهت من الشرح انتظرتا لكي تسمعا رأي الطبيب والعلاج الذي يمكن أن ينقذ اختهما الأرملة المعذبة، إلا أن الطبيب استمر في التهام الحلويات لأنه أحبها فعلاً وأدخل السعادة إلى قلب الآنسة سعدية. وعندما استمر الصمت قامت فاطمة بطرح سؤالها على الطبيب بشكل مباشر. قالت فاطمة:

– نحن نريد رأيك يا دكتور، فأختنا مديحة تتعذب ولم نجد أحداً غيرك لاستشارته. فقال الطبيب:

– إنني لا أجد مشكلة طبية في ما سمعت فأنا، كما تعلمين يا آنسة فاطمة، طبيب أبدان ولست بطبيب قلوب ولا أفهم في القضايا العاطفية. بالنسبة لي الحنين هو كيمياء غير مفهومة وإذا أردتما يمكنني أن أكتب لها وصفة من مهدئات الأعصاب. فقالت فاطمة بنبرة إقناع قوية:

– ولكننا نريد رأيك ليس كطبيب للعائلة فحسب بل كصديق، فأنت الشخص الوحيد الذي نثق به ونعرض عليه أعضاءنا المريضة، وكما تعلم فإن بيتنا ممنوع على الغرباء من الرجال باستثنائك واستثناء ذلك العجوز شريف الذي يخدمنا. إننا نطلب مساعدتك في أمر لا علاقة له بالطب والأطباء، بل له علاقة بالنفس البشرية الضعيفة. فكر الطبيب لفترة ثم قال:

– ماذا يمكنني أن أقول، فليس بالإمكان إعادة الصهر المتوفى فهذا يتعارض مع قوانين الطبيعة، كما لا يمكن نصحها باللحاق به فهذا غير منطقي ويتعارض مع مهمتي كطبيب. انني أنصح بأن تجدن لها عريساً جديداً.

– عريس جديد؟ رددت الآنستان باستغراب، إن هذا يتعارض مع عاداتنا وتقاليدنا، ففي كل تاريخ العائلة لم يحدث أن تزوجت امرأة من جديد بعد أن تكون قد عادت إلى بيت أهلها أرملة.

حولتا الحديث إلى مشاكل الروماتيزم والسكر ثم شكرتاه على تجشمه عناء المجيء في إشارة إلى أن عليه أن يرحل فنهض يحمل حقيبته وعند الباب لم ينس أن يمتدح براعة سعدية في صنع الحلويات.

اقتراح الطبيب حاييم جعلهما مستفزتين بل غاضبتين، واعتقدتا بأنه عاملهما باستهتار. إن مجرد الحديث في بيت العائلة عن البحث عن عريس لإحدى نساء البيت يعتبر استهتاراً واستخفافاً بالجد الأكبر الذي بنى هذا البيت منذ أكثر من قرن ووضع قوانينه. وبمناسبة الحديث عن القوانين واحترامها فلا بأس أن نقول بأنها لم تخرق مرة واحدة طوال كل هذه الفترة ويكفي أن نعلم بأن الجد الأكبر كان قائداً عسكرياً صارماً مشهوراً بتعلقه الشديد بالنظام وقد خضع إلى دورات عسكرية عليا في كل من استنبول وبرلين، وكان قائداً لوحدة مدفعية في معركة “جناق قلعة” وحصل على أوسمة عديدة مكافأة له على انتصاراته المدهشة على العدو، وعندما وضع قوانين البيت فإنه وضعها ليلتزم بها الرجال والنساء على السواء، وعلى رأس هذه القوانين أن يصوم الشاب أو الفتاة من العائلة عن الزواج إن لم يأت “النصيب المناسب”، وبسبب هذا القانون فقد مات العديد من أفراد العائلة عانسين. و “النصيب المناسب” يعني أن تتم صفقات الزواج مع عوائل متساوية من حيث المكانة والملاءة، وإن لم تتوفر امكانية لمثل هذه الصفقات فعلى الشبان والشابات أن يهتموا بخدمة البيت والعائلة والسلام.

لقد قام الأب بتزويج الأخ مدحت بفتاة من عائلة مقربة جداً من الأب ولها مكانتها في البلد حتى أن أحد أفرادها قد وصل إلى مناصب عالية في الدولة. ثم إن مديحة قد تزوجت مصباح لأنه من عائلة عريقة ولأنه صديق أخيها مدحت ويعرفه جيداً وقد ألح مصباح كثيراً على مصاهرة مدحت حتى استطاع أن يجعله يوافق، ورغم أنه من عائلة لم تعد تملك الكثير (كان آخر الولاة العثمانيين للمدينة قد صادر معظم أملاك أجداده لأسباب تعود إلى الشك في الولاء) فقد وافق مدحت لأن الشاب كان ينشط في التجارة بشكل مستقل، إلا  أن الحماس القومي الذي ظهر عليه بشكل مفاجئ أدى إلى مقتله فرمّل مديحة وخلق هذه المشكلة التي تنطعت الآنستان لحلها.

في إحدى المرات كان العجوز شريف يثرثر مع سعدية في المطبخ بعد أن جلب ما كانت قد أوصته عليه من مشتريات كانت تحتاج اليها لصنع أطباقها الشهية. كان في كل مرة يأتي بها بالتواصي يجلس مع الآنسة سعدية في المطبخ لنصف ساعة يتحدث خلالها عما يجري في المدينة بلسان العارف الثرثار وهو يلتهم ما تكون الآنسة قد حضرته مسبقاً من أطباق المشهيات والحلويات ثم يأخذ السلة المليئة بحافظات الأطعمة التي تكون قد ملأتها بما قامت بتحضيره ليوزعها على بيوت معينة. كانت سعدية، كما أشرنا، تحرص على ارسال الأطعمة إلى بعض الناس رغبة منها في أن يشاركوها متعة تذوقها، ثم إن الأمر لا يخلو من خدمة إنسانية لبعض فقراء الحي ونوع من التواصل الإنساني مع البعض الآخر الذي قد لا يكون بحاجة إلى صدقة ولكن العادات والتقاليد تحبذ تبادل الأطباق (كانت سعدية ترفض تذوق أي من الأطعمة التي يرسلها الآخرون). إذاً، كان العجوز يثرثر في المطبخ عندما جاء على ذكر تحضير الأرواح، وكانت المناسبة التي كان يتحدث عنها هي أن بعض أقاربه قد مات لهم شخص عزيز بشكل مفاجئ، وكان قد أخفى قبل موته كل ثروته ومدخراته وبعض الأمانات التي كان البعض قد أودعها لديه، فقد كان أميناً وحسن السيرة، في مكان لم يستطيعوا اكتشافه رغم أنهم لم يتركوا مكاناً أو ثقباً إلا وبحثوا فيه. وأخيراً قرروا، بعد أن عجزوا، أن يستدعوا اختصاصيةً في تحضير الأرواح لتحضير روح الميت لسؤاله عن المكان الذي أخفى فيه الأموال.

كانت الآنسة فاطمة جالسة في الصالون تطرز على الطارة حين لفت انتباهها موضوع تحضير الأرواح فتركت الطارة على المقعد الوثير وجاءت إلى المطبخ لتنضم إلى سعدية في الاستماع إلى بقية الحكاية، فعرفت بأنه تم تحضير روح الرجل التي كشفت لهم عن المكان الذي أخفى فيه الرجل الثروة، وكان، بالمناسبة، في حفرة في حديقة المنزل وبالضبط تحت شجرة “زنزلخت” كانت غرست لتأمين الظل في أيام القيظ. وبالفعل فقد حفروا في المكان المعين فوجدوا صندوقاً يحتوي على كل الأموال.

نظرت الآنستان كل في عيني الأخرى دون أن تنبسا بحرف فقد فهمت كل منهما بأن حل مشكلة الحنين عند أختهما الأرملة متاح لهما وبين أيديهما، فراحتا تسألان العجوز عن تلك الاختصاصية في تحضير الأرواح وهل يعرفها وهل يمكن الاستفادة من امكانياتها وكيف تظهر الروح حين تحضر وهل يمكن التحدث معها وعشرات الأسئلة التي تخطر في بال من عنده مشكلة ولا يمتلك حلاً لها. وعدهما العجوز بأن يهتم بالأمر ويذهب شخصياً إلى المرأة ليفهم منها كل شيء، ويكفي أن تمهلاه عدة أيام ليأتي بالأجوبة على كل هذه الأسئلة، ثم حمل السلة ورحل تاركاً الآنستين في حالٍ من الأمل بأنهما وجدتا الحل المناسب لمشكلة مديحة، وهو استحضار روح الزوج العزيز لتتمكن من إفراغ حنينها واشتياقها واستفقادها لزوجها في روحه.

سار كل شيء على ما يرام وساد البيت أجواء من الترقب والفضول، ثم جاء شريف العجوز بالأجوبة الشافية على أسئلة الآنستين فقال:

– لقد قابلتها، وهي امرأة معروفة جداً ومشهورة بضرب المندل وتحضير الأرواح. اسمها “الشيخة عزيزة” وهي امرأة محسنة تهب كل ما تجني إلى الفقراء، ولا تقوم بعملها إلا خدمة للخير. إذا ما طلبها أحد لاستحضار روح شخص ما فيجب أن يكون من أجل فعل الخير وليس الشر.

حدثهما عن أمور كثيرة استطاع أن يحصل عليها من الشيخة عزيزة بالذات إلا أنه لم يستطع أن يشفي غليلهما لمعرفة أمور أخرى تتعلق بتحضير الروح فالشيخة رفضت الإفصاح عن سر موهبتها وكيف تتجلى إلا أن الآنستين صرفتاه وطلبتا منه أن يحضر في الغد كالعادة لأنهما قد تطلبان منه أمراً محدداً. وفي المساء وبعد أن استمعن إلى حلقة جديدة من مسلسل “بعد الغروب” حين ذرفت مديحة بعض الدموع بكل صدق، أطفأن المذياع ثم انتقلن إلى الشرفة التي تطل على الشارع وهناك فاتحتا مديحة بالموضوع. اندهشت الأرملة في بادئ الأمر ورفضت التصديق بأنها تستطيع التكلم من جديد مع زوجها الحبيب، ولكن بعد شرح مستفيض وبعد أن أعدن إلى أسماعها ما كان قاله شريف العجوز عن امكانيات الشيخة عزيزة اقتنعت مديحة وطلبت منهما أن يهملاها بعض الوقت للتفكير قبل أن توافق على استحضار روح مصباح الحبيب. والحقيقة هي أن مديحة قد ارتعبت من الفكرة، فليس من السهل على أرملة ناعمة تذرف الدموع بسهولة شديدة مقابلة روح زوجها المتوفى وجهاً لوجه. قال شريف العجوز بأن الروح لن تظهر ولكن سيظهر أثرها وستدل على حضورها، ثم انها سوف تتلبس جسد الشيخة عزيزة وستتحدث بصوتها، ولكن قد تمد الروح يدها وتتلمسها باشتياق وهذا ما لا قدرة لها على تحمله. ان استحضار الروح هو استحضار لعالم الموت، ومقابلتها هي مقابلة لشخص ميت وهذا ما جعل مديحة ترتعد خوفاً وهي جالسة في سريرها ليلاً بعد أن بدأ النوم يجافيها. ثم ماذا لو تعلمت الروح طريقها إلى غرفة نومها وأصبحت تأتي كل ليلة لتدل على وجودها بصوت قرقعة أو بتحريك قطع الأثاث أو قد تبدأ بالمزاح (كان، رحمه الله، يحب المزاح وصنع المقالب) كأن يطفئ النور فجأة وهي سهرانة وحيدة في غرفتها ، أو يشعل النور بعد أن تكون هي قد أطفأته وأوت إلى السرير أو ربما تجرأ ودخل إلى الحمام وهي تستحم أو أن يفاجئها وهي عارية فهو الآن محرم عليها وهي محرمة عليه.

فجأة سمعت قرقعة من داخل خزانتها فانتفضت وقد اقشعر بدنها وانتصب الزغب على جسدها فتركت النور مشعولاً خوفاً من الظلام واندست في السرير وسحبت الغطاء إلى ما فوق رأسها. راحت ترتعد منكمشة تحت غطائها وقد شنفت آذانها لالتقاط أي صوت أو حركة أو قرقعة أو طقطقة، فسمعت ما يهيأ لها أنه وقع أقدام في الغرفة ثم صوت اصطدام شيء ما بمقعد حتى أنها شعرت وكأن يداً تتلمس الغطاء فكادت تبول في سروالها. من خوفها قررت أن تريح نفسها فصرخت، دون أن تخرج رأسها من تحت الغطاء، بمصباح وطلبت منه أن يتركها وشأنها لأنه يخيفها، وبما أن المرحوم كان لطيفاً معها باستمرار وكان يخاف على مزاجها أن يتعكر فقد تجرأت على إعطاء الأوامر له بصيغة صارمة لكي يرحل، وما هي إلا لحظات حتى أحست بأن الأصوات الغريبة قد توقفت ولم تعد تشعر باليد تملّس على غطاء السرير، فأزاحت طرف الغطاء قليلاً عن عينيها لتتمكن من النظر دون أن تشعر الروح بأنها تنظر فوجدت أشياء الغرفة وأثاثها كما تركتها قبل الاستلقاء، حينئذ أزاحت الغطاء عن رأسها بشكل كامل ثم استندت على مرفقيها ورفعت نفسها وراحت تنظر إلى كل الجهات فلم تجد أي أثر يدل على وجود روح المرحوم، ثم تجرأت فنزلت عن السرير وذهبت إلى الخزانة ففتحتها فلم تجد شيئاً مريباً. إلا أن كل هذا لم يطمئنها فقد ظلت سهرانة حتى الصباح تتلقط أي صوت مهما كان حتى لو كان دبيب نملة فتعود لرفع رأسها للنظر وتفقد الغرفة.

بقيت نائمة حتى الظهيرة وعندما استيقظت أخيراً شعرت بالراحة لأن ضوء النهار، كالعادة، يشيع الطمأنينة في النفس، فنهضت وارتدت ثيابها، وعندما خلعت ثياب نومها وأصبحت شبه عارية تلفتت إلى هنا وهناك خوفا ًوخجلاً إلا أنها شعرت بسخف ما كانت تشعر به وأحست بطمأنينة مفاجئة، فكم هي الحياة مريحة بدون هاجس وبدون خوف. وقارنت بلمحة سريعة حياتها الاعتيادية بما يمكن أن تكون عليها حياتها إذا ما قررت أن تستحضر روح زوجها فوجدت أنها في نعيم.

عندما خرجت إلى الصالون وجدت أختيها جالستان وهما تعملان في التطريز والتقشير، وفي الحقيقة فقد كانتا في انتظارها لتسمعا منها قرارها حول استحضار روح مصباح إلا أنها أهملت الأمر وكأن شيئاً لم يكن ولم تتحدث في الموضوع فتركتاها في شأنها. أما بعد العصر، وبينما كن جالسات في الشرفة فقد وجدت أن عليها قول شيء عن الموضوع لأنها تعتقد بأن أختيها تنتظران قرارها. قالت لهما بأن عليها أن تحترم هدوء روح المرحوم وسكينته وإن استحضار روحه سوف يشوش حياتها بعد أن تعودت على فراقه وسوف يجعله حزيناً على فراق الحياة وسيأسف لموته بعد أن اعتاد على وضعه الجديد.

هزت الآنستان رأسيهما توافقانها على رأيها، ومنذ ذلك اليوم أصبحت الأرملة مديحة أفضل حالاً ولم تعد إليها الكآبة ولم تعد تشكو من الحنين إلى زوجها المرحوم، إلا أنها لم تعدم بعض الدموع التي تذرفها من وقت إلى آخر.

في انتظار الأرملة

اقتربت الساعة من الثامنة إلا ربع فاحتللت مكاني قرب النافذة بعد ان حملت إفطاري إلى هناك وقد كان مكوناً من صحن فول ورأس بصل وبراد شاي مخمر على طريقة جدتي لأمي وقطعة حلاوة بالطحينة فقد اعتدت على تحلية ريقي صباحاً بعد صحن الفول. في الأسفل كانت الحارة تنبسط أمامي كالكف ومن مكاني خلف أباجورة النافذة كنت أرى جيداً رصيف المقهى وكراسي القش ذوات المساند وإلى جانب كل منها طاولة من الحديد المشغول والمدهون باللون الأخضر إذ اعتاد رواد المقهى الجلوس بينما كؤوس الشاي وفناجين القهوة بجانبهم وليس أمامهم. في هذه اللحظة بالذات احتل كل من عبد العظيم وابو المصاريع والشاب المهذب كراسيهم على رصيف المقهى انتظاراً لخروج الأرملة من بيتها لتستقل سيارة الحكومة التي تأتي في تمام الساعة الثامنة إلا خمس دقائق لتأخذها إلى الوظيفة. أيضاً جلس صاحب مصبغة “الملاك الأبيض” خارج مصبغته وجاء له الصبي بأركيلته الصباحية بينما توقف عبدو البقال عن البيع وراح يرتب سحاراته وعينه على مدخل بناية الأرملة. حتى صبحي الحماماتي أنزل عصاه التي ربط في طرفها خرقة سوداء يطير بها طيوره الملونة واستند إلى ستارة السطح الذي يحتله معظم النهار منتظراً خروج الأرملة صاحبة الشعر الأشقر والتي بدأت بإخفائه بمنديل بعد أن كثر الرجال الذين ينتظرون خروجها صباح كل يوم. وقد لاحظتُ منذ مدة أن بعض الباعة المتجولين راحوا يوقفون عرباتهم ويشرعون بالمناداة على بضائعهم منتظرين خروجها. أما أنا فقد مرت شهور طويلة منذ ان اكتشفت متعة تناول طعام الإفطار قرب النافذة ومراقبة هؤلاء الشغوفين بالأرملة ولكنني اكتشفت أنني انضممت إليهم فزاد عدد عشاقها واحداً. والأرملة حلوة الوجه وذات تقاطيع رقيقة وكان يحسب كل من تنظر إليه أنها تبتسم له ولكنها راحت تقطّب بعد أن عرفت السبب الذي يجعل الرجال يبتسمون لها ويزدادون جرأة في مواجهتها. والأرملة موظفة عند الحكومة وتتقاضى راتباً يقولون إنه أعلى من راتب مدير المدرسة التي في نهاية شارعنا وهناك من ادعى أنه صادفها في إحدى الدوائر وقال إنها تحتل مكتباً فخماً بارداً في الصيف ودافئاً في الشتاء وقال أيضاً إن الرجال في تلك الدائرة يقفون حين تمر أمامهم ويبادرونها بالتحية بكل تقدير واحترام. والأرملة أصبحت أرملة بعد أن توفي زوجها الأستاذ الذي جاء بها ليسكنا في الحارة في بيت أبيه وأمه بعد أن توفيا وقد عاشا معاً ست سنين دون أن يرزقا بطفل ولم تكن تلك العادة، أي عادة انتظار خروج الأرملة قبل أن تصبح أرملة متأصلة في حارتنا حينها، إلا أن الاستاذ مرض ومات فانتظر الرجال مرور الأربعين قبل أن تتحكم بهم هذه العادة واحداً تلو الآخر. أما عيشة العرجاء التي تزورها مرتين كل أسبوع لتساعدها في تنظيف منزلها فقد أصبحت مدللة في الحارة وأصبح الرجال يسألونها عن الأرملة وقد سمعتُ أن صاحب المصبغة قد سألها وهو يرتجف إن كان من المناسب أن يرسل أمه لخطبتها أم أن الأرملة ستطردها لأنه صاحب مصبغة ليست على قد المقام. وسمعت أن عبد العظيم لم يعد ينام ليلاً وهو يطلق التنهدات باستمرار ولكنه لا يجرؤ حتى على الإفصاح عن أية رغبة أو مشروع فهو متزوج من اثنتين وهذه مصيبة في حد ذاتها. أما الذي أدعوه بالشاب المهذب فهو ليس من حارتنا ويضع على عينيه نظارات طبية وهو دائم التأنق لم أره يوماً إلا بالبدلة والكرافات أما حين تظهر الأرملة فإن وجهه يتحول إلى شوندرة مسلوقة من كثرة الاحمرار.

في الثامنة إلا ست دقائق وصلت سيارة الحكومة فأوقفها السائق أمام مدخل بناية الأرملة. توقفت الحياة في حارتنا، وأنا لا أقول ذلك مجازاً بل واقعاً لأنني توقفت بدوري عن تناول الإفطار وأخذت موقعاً مناسباً خلف الأباجورة أستطيع من خلال شقوقها رؤية الشارع كله في الاتجاهين فقد كانت بنايتنا في وسط الشارع ولحسن حظي أمام بنايتها تماماً. توقفت الأحاديث وتوقفت رقاب الرجال عن الاستدارة إلى هنا وهناك ولم يعد عبدو البقال يرتب سحاراته فقد انتهى من ترتيبها، كما أن صبحي الحماماتي نسي طيوره ومط رقبته ليرى بشكل أفضل، أما عبد العظيم فقد توقف عن عد حبات مسبحته وابو المصاريع توقف عن لف سيكاراته دون أن يشعل أية لفافة كما أن الباعة المتجولين خرسوا بينما أخرج الشاب المهذب منديله الأبيض الناصع ليكون جاهزاً لمسح حبات عرقه التي ستتصبب من كامل وجهه حين ستلتقي عيناه بعيني الأرملة. توقفت الحياة وساد السكون وانتقل عقرب الدقائق إلى تمام الثامنة إلى خمس فانفتح باب البناية لتظهر الأرملة بتيورها الكحلي المحتشم ومنديل شعرها المطبّع بأشكال هندسية رصينة. سارت نحو باب السيارة الخلفي وفتحته وقبل أن تركب مسحت الشارع سريعاً بعينيها مائة وثمانين درجة. شاهدتْ عبدو البقال واثنين من الباعة المتجولين ثم شاهدت صاحب المصبغة ورفعت رأسها لترى صبحي الحماماتي ثم أنزلته لترى عبد العظيم ثم ابو المصاريع. كانت شاحبة ورصينة ومقطبة ولكنها توقفت أكثر عند الشاب المهذب فزال جزء من تقطيبتها ثم ركبت السيارة وأغلقت الباب لتنطلق بها دون أن تعيد النظر إلى أحد.

عادت الحياة إلى الشارع فاهتم كل بشؤونه وراح الحمام يحوم فوق بنايات الحارة وعادت مناداة الباعة المتجولين تصدح وأطلق عبد العظيم تنهداته الحارة وهو يرفع عينيه إلى السماء وأشعل أبو المصاريع إحدى لفافاته في حين نهض الشاب المهذب وابتعد قاصداً عمله وهو يمسح عرقه بمنديله. أما أنا فقد فقدت شهيتي فرحت ألم بقايا إفطاري شارد الذهن.

البيت الكبير

توقفت العربة أمام بوابة البيت الكبير. كان على السائق ان ينزل منها ليفتح البوابة ومن ثم يقودها إلى الداخل. رحت أراقبه يدفع فردتي البوابة بعزم وبكلتا يديه فقد كانت تتسع لمرور هذه العربة ذات الحصان الواحد. كنت أعرف البيت ولكن من الخارج فقد كانت أمي تتعمد المرور في نفس الشارع في بعض الأحيان أثناء خروجنا للنزهة. كان للبيت جدار عالٍ يحجب أجزاءه الداخلية وباحتيه الواسعتين عن أعين المتطفلين من المارة، كما أن الجدار لم يكن يحتوي على نوافذ أما بوابته فقد كانت تشبه بوابة السجن أو مدخل ثكنة الدرك عند سفح القلعة. وعندما أصبحت في التاسعة قالت لي أمي ونحن نمر بحذاء الجدار العالي إنه في هذا البيت يسكن جدي وجدتي وكل أعمامي وعماتي وأزواجهم وأولادهم. ومنذ ذلك اليوم تحول البيت الكبير إلى لغز غامض بالنسبة لعقلي الطفلي وأصبحتُ أرجوها أن نمر في الشارع لألقي في كل مرة نظرات فاحصة إلى حجارته وبوابته التي لم أرها مفتوحة ولا مرة واحدة. كنت أتعمد البطء في السير لعل أحداً من أقاربي يفتح الباب الصغير ضمن البوابة والمخصص لمرور الأشخاص ولكن، للأسف ظل ما وراء الجدار يشبه إلى حد كبير ذلك المكان الذي ذهب اليه أبي بعد أن تلقى طلقة في صدره فقالوا إنه مات.

استطاع السائق فتح البوابة الواسعة ساعده في ذلك اثنان من الخدم ثم عاد وأمسك بلجام الحصان وقاد العربة إلى الداخل بينما كنت أتأبط حقيبتي أخفي بها وجهي استرق النظر إلى ذلك العالم المجهول الذي سيصبح بيتي. كنت خائفاً مما ينتظرني، أنا ابن الثالثة عشرة الذي لم يتبق لي أحد في هذه الدنيا سوى أمه. ولكنهم انتصروا عليها. كانوا يطالبون بي بعد مقتل أبي ولكن أمي كانت ترفض الانصياع لهم. كان ساكنو البيت الكبير يرسلون رجلاً مسناً ومحترماً يدعى الحاج صالح ليفاوض أمي. ظل هذا الرجل الطيب يأتي ويروح عارضاً البدائل عني ولكنها كانت ترى فيّ أغلى ما في الدنيا. كنت بدوري أخاف أن تقبل ولم أكن أعِ معنى ما كان يردده الحاج صالح وهو أن العائلة تريد ابنها.كنت ابن أمي فما معنى أن أكون ابناً لعائلة تسكن بيتاً كبيراً له جدار عالٍ يزيده غموضاً على غموض؟ أخيراً، وافقت أمي بعد أن سمعت بأذنيها فتوى الشيخ القدير الذي يحتل زاوية في الجامع الكبير محاطاً باستمرار بالأتباع وطلاب علم الشريعة. ما دفعها أيضاً للموافقة هو أنهم هددوها بخطفي.

كان جيش من الأولاد والبنات قد تجمع في الباحة الخارجية ليشاهد قدومي وقد لاحظت أنهم يسترقون النظر أيضاً إلى الخارج قبل أن يفلح الخادمان في إعادة إغلاق البوابة، فقد كنت الصبي الغامض القادم من الخارج، الذي هو لغز بالنسبة إليهم، إلى الداخل الذي هو لغز أعظم بالنسبة إلي.

أُمرت بالجلوس في إحدى الغرف القريبة من المدخل وأغلق علي الباب. كانت غرفة واسعة مليئة بالمفروشات حتى العتبة بينما كانوا قد أحكموا إغلاق النوافذ فتسربلت في عتمة خفيفة لم يبددها ضوء النهار المتسلل من الطاقات العلوية. جلست على كنبة ذات فرش نفيس وأبقيت يديّ تطوقان حقيبتي التي كانت تحوي كل متاعي في هذه الدنيا.

تعرف أبي بأمي في مدرسة الفرنسيسكان. كانت تكبره بعدة سنوات وكانت مسيحية تدرّس فيها مادة اللغة الفرنسية. أحبها الوالد كما كانت تقول لي وهي تزرف دمعتها. كان يرتاد المدرسة ممثلاً لمحلات جدي الذي كان متعهدَ تقديم المواد الغذائية للمدرسة. قالت أمي إنه كان رقيقاً وكانت الأرقام تتأوه عندما كان يقوم بجرد الحسابات. أحبته هي أيضاً بسبب رقته وتأثرها بجرس صوته وعندما أعلن رغبته في خطبتها قامت عليه الدنيا. تحول البيت الكبير إلى جهنم فقد كفر أبي حسب رأيهم. ترك أبي البيت وتزوج مدرسة اللغة الفرنسية. كان يحبها حقاً فقد كان يسرع إلى البيت البسيط الذي استأجراه ليضمها ويقبلها. لم يكونا يأبها لي وقد اعتدت على عناقهما وكنت حين أستيقظ ليلاً للذهاب إلى الحمام كنت أراهما جالسين يتحدثان همساً ورأسها على كتفه. كان البيت الكبير قد تبرأ من ابنه الذي تمرد على السيد ألا وهو جدي ومنع أي كان من مجرد ذكر اسمه. ولكن أبي قتل أثناء تبادل لإطلاق النار بين عشيرتين متناحرتين ومتنافستين على السوق. كان يمر مسرعاً عائداً إلى البيت حين تلقى الطلقة في صدره فمات على الفور، أما أمي فقد ظلت تبكي سنة كاملة وهي حتى اليوم تلبس الأسود حداداً على روحه الطاهرة ولكنها وجدت عزاءها فيّ. كانت تقول لي بما أنني أشبهه فهو لم يمت ولكن المسكينة كان عليها أن تفقدني أنا أيضاً.

دخلت علي امرأتان ترتديان السواد. قالتا إنهما عمتاي، لطفية وفكرية. كانتا متجهمتين، ظلتا واقفتين طوال الوقت وهما تتحدثان إلي. قالتا إن علي أن أنسى حياتي الماضية وخاصة أمي وإن علي أن أكون مطواعاً ومهذباً وأن أتأقلم سريعاً مع قوانين البيت. بعد ذلك نادتا إحدى الخادمات التي قادتني عبر أبواب عديدة وأدراج وسراديب ضيقة إلى غرفة لا تشرف على شيء، بل كانت أشبه بسجن بدون نوافذ ولكنها كانت، لحسن الحظ، ببابين فقد قالت لي الخادمة إنني أستطيع تهوية الغرفة بفتح البابين معاً فيهب تيار هواء بارد ورطب يعبق برائحة التراب.

لم أكن أتصور أنهم أتوا بي إلى هنا كي أسجن، فقد تُركت في غرفتي أسبوعاً كاملاً دون أن يكلمني أحد أو يقوم بزيارتي. ولم أكن أعرف كيف أسير عبر تلك الممرات والسراديب ولا إلى أين كانت تقود تلك الأدراج. فقط، كانت تلك الخادمة تأتيني بالطعام والشراب ثلاث مرات في اليوم، أما حاجتي فقد كنت أقضيها في مرحاض في استراحة أحد الأدراج. كنت أمضي أيامي وليالي مستلقياً على سريري، مفكراً في أمي. وفي اليوم الثامن قادتني الخادمة إلى الباحة الداخلية وطلبت مني أن أعرّض نفسي للشمس وأن ألعب مع أولاد عمومتي إن أردت ولكن، وقالتها بكثير من التحذير، علي أن أعود إلى غرفتي قبل غياب الشمس فجدي لا يحب رؤية الأطفال ولا سماع ضجيجهم حين يعود إلى البيت. تركتني الخادمة ورحلت عندها تجمع حولي عشرة أطفال أصغر مني هم أولاد وبنات أعمامي و عمّاتي وراحوا يمطرونني بالأسئلة حول حياتي السابقة، حول أمي وأبي وحول العالم الغريب عنهم الذي يقبع خارج الدار. ولكن سرعان ما ملّ الأطفال مني بسبب صمتي فراحوا يلعبون بعيداً عني، أما أنا فقد جلست وحيداً متفكراً في حالي وغصة شديدة تقبض على حنجرتي تدفعني للبكاء دون أن أجرؤ على البكاء. وقبل أن أصعد إلى غرفتي تنبهت إلى أن فتاةً في عمري كانت تتلصص علي من إحدى النوافذ لغرفة تعلو الفاصل بين الباحتين.

وفي مساء اليوم التالي سمعت خطوات تصعد الدرج. وما هي إلا لحظة حتى دخلت الخادمة نفسها وأشعلت النور. كنت خائفاً أن تكتشف عدم استغراقي في النوم حتى هذا الوقت المتأخر حسب قوانين البيت. اقتربت من سريري ولمستني. كانت هذه هي المرة الأولى التي تزورني في الليل. فتحت عيني فقالت لي همساً كعادتها إن جدي يريد مقابلتي. انتابني خوف عظيم فهذه هي المرة الأولى التي سأقابل فيها هذا الرجل الجبار. كنت قد رسمت له في عقلي صورة ترعبني إذا ما شاهدتها في منامي ولكن الصورة لم تكن تستند إلى تصور واقعي فلم يكن أحد من قبلُ قد وصفه لي فحتى أمي لم تكن قد قابلته مطلقاً.

قادتني الخادمة عبر الأدراج والممرات حتى الباحة الداخلية ثم عبرناها لنرتقي عدة درجات حجرية ذات درابزين من الحديد المشغول. أوقفتني أمام باب خشبي مزخرف لفترة كي نسترد أنفاسنا ثم نقرت عليه نقرات خفيفة وفتحته ثم دفعتني إلى الداخل. وجدت نفسي في العتبة المنخفضة عن مستوى أرضية الغرفة وفضلت البقاء هناك. كنت أحسب أنني سأتلقى الأوامر فوراً إلا أن الصمت المطبق ولفترة طويلة دفعني إلى رفع رأسي. كان هناك صفان من البشر إلى يمين وإلى يسار الغرفة. النساء إلى اليمين والرجال إلى اليسار بينما كان رجل أبيض اللحية والرأس، يعتمر طاقية قطنية بيضاء ويلف نفسه بعباءة عسليّة اللون تضفي عليه مهابة فوق مهابته، يحتل صدر الغرفة. كل النساء كن يرتدين ثياباً سوداء ويغطين شعورهن بحجاب أسود بينما الرجال يرتدون البدلات وربطات العنق السوداء. كان الجميع ينظر إلي دون أن ينبس أحد بكلمة. لم أكن أعرف أحداً منهم ولم أفرق بين أعمامي وأزواج عماتي وبينهن وبين زوجات أعمامي، إلا أنني عرفت أن ذلك الرجل المسن والمهيب هو جدي والمرأة المسنة التي تجلس قريباً منه في آخر صف النساء هي جدتي.

أشار لي جدي بيده لأقترب فتركت العتبة ووقفت في النقطة المقابلة للنقطة التي كان يجلس فيها. كنت محتاراً ماذا أفعل بيديّ فشبكتهما على بطني وظللت أنقّل ناظري بين الرجال والنساء دون أن أجرؤ على النظر في عيني الرجل المهيب. كانوا يتفحصونني وعلى الأغلب يحاولون اكتشاف ما يدل على قرابة الدم التي تربطني بهم. سألني جدي عن اسمي وعن مدرستي وإلى أي صف وصلت. ثم سألني عن مادة الحساب وعن اللغة الفرنسية إن كنت تعلمتهما جيداً. لم يسألني عن أمي أو أبي المرحوم وكأنهما لم يوجدا قط، بل أنا الذي سألته متى أستطيع رؤية أمي عندها، وبحركة بيده طلب مني الخروج فخرجت. في الخارج اصطدمت بالخادمة التي كانت تنتظرني فقادتني إلى بداية شبكة الممرات والأدراج وطلبت مني الوصول إلى غرفتي بنفسي لأنها كانت متعبة ثم رحلت. انتظرت برهة حتى غاب عني وقع أقدامها فعم الصمت جميع أرجاء الباحة فبدأتُ رحلة العودة إلى غرفتي.

اللقاء مع جميع أفراد عائلة أبي جعلني ارتاح أكثر، فها أنا ذا أعرف جدي بشكل مباشر ولم يعد هناك ضرورة لرسم صورته من خيالاتي فحسب. ولكن اللقاء ترك عندي أيضاً شعوراً بالخوف من هذه العائلة الغريبة والتي يحتل فيها جدي مكانة لم أعهدها لأبي حين كان بيننا. لم يجرؤ أحد من أعمامي أو أزواج عماتي على التفوه ولو بكلمة واحدة في وجوده وهذا بالضبط ما ضايقني وجعلني أرسم صورة فظيعة لمستقبلي إن بقيت هنا. رحت أبكي وأنا أصعد في سلسلة الأدراج والممرات إلى غرفتي فقد كنت أشعر بوحدة رهيبة وباشتياق مميت لأمي حتى إنني تساءلت بيني وبين نفسي، هل تخلت أمي عني؟

أثناء عودتي اكتشفت طاقات صغيرة هي عبارة عن فتحات تهوية للغرف السفلية كان بصيص نور يأتيني من إحداها. إلا أن الاكتشاف الذي أسعدني أكثر كان طاقة تودي إلى السطح الذي يعلو مجموعة من غرف الباحة الخارجية المخصصة لضيوف الجد والزريبة والخدم، وفي نهايته تظهر بشكل واضح ستارة الجدار العالي الذي يشرف على الشارع. استلقيت على سريري ولكنني لم أستطع النوم فقد كانت صورة جدي وباقي أفراد العائلة تعود لتبعد عن عيني النوم ولذلك فقد بكيت خوفاً وأعتقد أن أمي كانت ستعذر بكائي فقد كان الجميع يخاف جدي فما بالي أنا ابن الثالثة عشرة.

نهضت وذهبت إلى تلك الطاقة التي اعتبرتها أهم اكتشاف لي الليلة. مررت خلالها بسهولة بسبب ضعف بنيتي ثم وبقفزة صغيرة أصبحت على السطح.  كان علي أن أتحرك بهدوء لكيلا أصدر أي صوت. حاولت الابتعاد قدر الإمكان عن الحافّة لئلا يشاهدني أحد من الخدم، فسرت ملتصقاً بالجدار الجانبي حتى ستارة الجدار العالي التي كانت أعلى مني بذراع.  تشبثت بأعلى الستارة ونظرت إلى الأسفل فشاهدت الشارع الذي كنت قد مررت فيه أنا وأمي مئات المرات.  ظللت معلقاً بالجدار مدة وقد شعرت بتحسن حالي فقد أصبح لدي أمل بمشاهدة أمي لأنني كنت على يقين من أنها ستمر يومياً من هنا.

تركت الجدار وعدت عبر الطاقة إلى الداخل. كانت الإثارة قد أطارت النوم من عيني فلم أعد فوراً إلى غرفتي. سرت في السرداب المعتم محاولاً ألا يصدر عني أي صوت. توقفت عند فتحة تهوية لإحدى الغرف، فقد كانت تشع بضوء خفيف. أدخلت رأسي فيها ونظرت، كان أحد أقربائي يتحدث مع زوجته. قال لها شيئاً طريفاً فضحكت ثم مد يده وقرصها في خدها. كنت أطل عليهما من الأعلى فقد كانت فتحة التهوية هذه قريبة من سقف الغرفة. كان قريبي يشرب شيئاً بفنجان من الصيني وكانت زوجته تقرب من فمه تفاحة وحينما يهم بقضمها كانت تبعدها وهي تضحك. طالت لعبتهما وعندما شعرتْ أنه قد ملّ اللعبة نهضت وعقدت شالاً حول خصرها وراحت ترقص له. صار يصفق لها بإيقاع راقص وهو منشرح النفس ولكنني سرعان ما مللت فأخرجت رأسي وسحبت نفسي إلى غرفتي.

في النهار نزلت إلى الباحة ومكثت هناك وحيداً فقد كان الأطفال يتلقون الدروس في الداخل على أيدي مدرسين خصوصيين، إذ أن الجد كان يرفض ذهاب أحفاده إلى المدارس. لاحظت أنني مراقَب وعندما رفعت رأسي وجدت نفس الفتاة تنظر إلي من نافذتها. لم تنسحب حين رأتني أنظر إليها بل ظلت في مكانها ثم ابتسمت لي. ابتسمت لها بدوري ولكن هذه الابتسامات جعلتني أقلق، فقد لاحظت أنها قد تراني أمشي على السطح إذا ما استدارت بزاوية معينة باتجاه الباحة الخارجية.

انتظرت ريثما تأتي الخادمة وتنزل بأطباق الغداء، حينئذ أسرعت إلى طاقة السطح. خرجت وأسرعت بالابتعاد عن حرفها وهناك تأكدت أن الفتاة ليست على نافذتها فسرت حتى الستارة فتعلقت بها ورحت أتطلع إلى الشارع. كان هناك عدد من المارة وعربة يجرها حصان واحد تأتي من بعيد بينما امرأة فقيرة ترتدي ملحفة سوداء عتيقة جلست تتسول مسندة ظهرها إلى الجدار المقابل. مر وقت طويل وأنا على هذه الحالة حتى تعب ساعداي اللذان كنت أضع ثقل جسمي عليهما. كدت أنزل لولا أنني لاحظت المتسولة وهي ترفع النقاب الأسود عن وجهها وتتطلع نحوي. يا لله، فقد كانت أمي وقد تنكرت بثياب امرأة متسولة. أشرت لها فأشارت لي واضطررت لأن أرفع نفسي أكثر بناء على رغبتها لكي تراني جيداً. بقينا هكذا مدة ونحن نتحدث بالإشارات ونبكي. ودعتها بعد أن اتفقنا على أن نلتقي كل يوم في نفس الموعد ثم نزلت عن الستارة وعدت إلى غرفتي.

في الحقيقة انقلبت الدموع التي زرفتها أثناء مشاهدتي لأمي إلى شعور بالارتياح انتابني لأنني تمكنت أخيراً من مخادعة قوانين البيت وإيجاد طريقة للتواصل معها. في الليل لم يأتني النوم بسبب انشغال ذهني رغم أن النوم كان سيقرب ساعة لقائي بها من جديد فنهضت ورحت أتفحص فتحات التهوية علّني أجد في إحداها نوراً فأتسلى بمراقبة أقاربي. ولكن للأسف، فقد كانت جميعها مظلمة وقد خمنت السبب، فيما أعتقد، بأن جميع الكبار يتناولون العشاء في هذا الوقت على مائدة جدي ثم سيجلسون معه للتداول في أمورهم إن لم أقل في الاستماع إليه بأفواه مطبقة قبل أن يتفرقوا إلى غرفهم. صدق حدسي فعندما عدت إلى الفتحات قبيل منتصف الليل وجدت النور يتسرب من معظمها. انتقيت فتحة لا على التعيين ثم دسست رأسي فيها. كدت لا أصدق عيني وكادت صرخة تنطلق من فمي دون إرادتي فتكشفني. كانت الزوجة ملقاة على أرض الغرفة ممزقة الثياب بينما غطت الدماء جزءاً من وجهها.  كانت المسكينة تتلوى بينما الزوج يدخن بشراهة وهو يحوم في أرجاء الغرفة. بعد قليل دخلت ثلاث نساء ورحن يهتممن بها فقد كانت فقدت الوعي بينما راحت إحداهن توجه اللوم للزوج على فعلة ما عملها لزوجته في حين كان يخرج زجاجة خمر ويعب منها. كل الأحاديث كانت تجري همساً لأن على جدي ألا يعرف ما يجري. أخيراً استطاعت النساء الثلاث إخراج المرأة المضروبة من الغرفة فبقي قريبي وحيداً بصحبة زجاجة الخمر. جلس قبالتي مباشرة ونظر باتجاهي فسحبت رأسي بسرعة البرق وأنا على يقين من أنه شاهدني. مكثت فترة قابعاً قرب الفتحة محاولاً التقاط أية حركة تنبئ بأنه قد شاهدني فعلاً ولكنني لم ألحظ شيئاً غير عادي فعدت للنظر من خلال الفتحة فوجدته يعب الخمر مغمض العينين.

سارت الحياة في البيت كالمعتاد وقد حاولت أن اكتشف ما الذي جرى للمرأة التي ضربها زوجها ومن تكون ولكنني لم أفلح. ظل كل شيء هادئاً ومخادعاً حتى أنني شككت بما رأيت. والشيء الصحيح الذي لا مجال لنفيه أو التشكيك فيه هو أنني صرت ألتقي بأمي يومياً، هي تجلس على الرصيف مرتدية ثياب امرأة متسولة وأنا معلق على ستارة السطح. أخبرتها مرة أنني لم أعد أطيق المكوث أكثر فطلبت مني أن أصبر وأن أظهر لأهل البيت الاستسلام والسكينة وحين يدَعونني أخرج من البيت فلسوف تكون في انتظاري. نزلت في تلك المرة عن الستارة وأقعيت بجانبها أبكي، فقد كان البكاء الوسيلة الوحيدة المتبقية لي لنسيان قهري. وعندما كنت متجهاً إلى الطاقة لأنزل من السطح تسمرت فجأة في مكاني فقد رأيت تلك الفتاة واقفة على نافذتها بزاوية كنت أخاف أن تقف فيها فتراني. تبسمت لي ولكنني، بسبب رعبي من انكشاف أمري، نسيت أن ابتسم لها بل أسرعت بالدخول في الطاقة والهرب إلى غرفتي.

أمضيت باقي النهار في انتظار من سيأتي ليعاقبني على ما كنت أفعل ولكن أحداً لم يأت. وفي المساء استدعاني جدي إلى محفله ذاته ليخبرني بأن مدرساً سيأتي إلى البيت ابتداءً من الأسبوع القادم ليعلمني أصول مسك الدفاتر التجارية، فقد أصبحت كبيراً وعلي أن أعمل كما قال، وهو يقصد بالتحديد العمل في مصالحه التجارية. هززت رأسي دون أن أنبس بكلمة ثم نقّلت ناظري في وجوه أقربائي من الرجال والنساء فعرفت رجلين وامرأتين، واحدة كان يدللها زوجها والأخرى تلك التي أغمي عليها من شدة الضرب. كان حول إحدى عينيها كدمة زرقاء حاولت إخفاءها بالمساحيق ولكنني ميزتها بسهولة. ارتبكت المرأة من نظرتي التي تباطأت عندها وبالتحديد عند طرف وجهها الأيسر فأطرقت ثم رفعت يدها تحك بظفرها جبينها لتخفي وجهها عني. طردني جدي بحركة ملولة من يده فخرجت. لم أجد الخادمة في انتظاري فتمهلت قليلاً ثم اقتربت من المعبر الذي يوصل ما بين الباحتين وألقيت نظرة نحو الباحة الخارجية فشاهدت أحد الخدم يعتني بالعربة بينما كنت أسمع صوت الحصان في الزريبة وهو يضرب الأرض بحافره وينخر.

صعدت إلى غرفتي ولم أتوقف عند فتحات التهوية فقد كانت معتمة. كان علي أن أمضي وقتاً في غرفتي قبل أن يحين موعد عودة أقربائي إلى غرفهم، وبينما كنت أقترب من باب غرفتي تجمدت من الرعب. وربما أطلقت صرخة قصيرة فقد كان هناك شخص ملتصقاً بالجدار يحاول الاختباء. كدت أعود من حيث أتيت ولكن صوتاً أنثوياً ناعماً طلب مني ألا أخاف لأنها “هي”. قالتها هكذا.. ” لا تخف، أنا ! “. خمنت أنها ربما كانت نفس الفتاة التي شاهدتها عدة مرات تنظر إلي من نافذتها. خرجتْ من مخبئها في الوقت الذي اقتربت فيه منها ولكنني لم أميزها في الظلام فسرت باتجاه الغرفة حيث الإضاءة أفضل فقد كنت قد تركت النور ساطعاً والباب مفتوحاً. تبعتني وعرّضت وجهها للنور فعرفتها على الفور. كانت هي نفسها كما خمنت. طلبت منها الدخول فرفضت وفضلت أن نعود إلى الممر المعتم لنتحدث.  عدنا إلى حيث كانت مختبئة. استندتْ إلى الجدار بينما استندتُ إلى الجدار المقابل ورحنا نتحدث. قالت إن اسمها فيروز وإنها ابنة عمتي لطفية التي ترملت منذ مدة والتي كانت إحدى المرأتين اللتين قابلتهما أول يوم. قالت إنها تعطف علي فهي نفسها تكره هذا البيت وتتمنى لو تهرب ذات يوم. اطمأننت لها فحدثتها عما شاهدت من إحدى الفتحات وكيف أن امرأة قد ضربت حتى فقدت الوعي فأخبرتني أن ذاك الرجل هو خالها (أي عمي) سليم وهو معتاد على ضرب زوجته إلى أن تفقد وعيها وقالت إنه قد طعن زوجته الأولى حتى الموت وإن جدي استطاع لفلفة الموضوع مع الحكومة ومع أهلها. أعلمتني أيضاً أن لي عماً آخر وهو الأكثر بدانة من الجميع واسمه جابر وهو قاسٍ أيضاً ولكنه لم يصل إلى حد القتل. قالت إنه يحب أيضاً تعذيب امرأته ثم أعلمتني أن باقي النساء في البيت هن خالاتها أي عماتي وباقي الرجال هم أزواجهن. وأكثر ما أرعبني هو اعترافها أن خالها سليم هو الذي قتل أباها في السرير بينما كان نائماً إلى جوار أمها.

اكتشفتُ أنني قد بللت سروالي بسبب رعبي الشديد مما سمعت. اقتربت فيروز وأمسكت بيدي وطلبت مني أن أتبعها ولكنني تمنعت خوفاً من أن ينكشف البلل على سروالي إلا أنها أصرت فتبعتها. دخلتْ إلى غرفتي ثم خرجتْ من الباب الآخر فسرنا في سرداب متعرج ونزلنا عشرين درجة ثم سرنا في ممر آخر ومن ثم صعدنا درجاً ثانياً. توقفت في نهايته وطلبت مني السير بحذر شديد. في نهاية الممر كانت هناك نافذة مضاءة بشكل خفيف. اقتربنا منها بحذر ودون حتى أن نتنفس. نظرت فيروز أولاً ثم ابتعدت عن النافذة وطلبت مني أن ألقي نظرة. اقتربتُ ونظرتُ. كدت أطلق صرخة رعب لولا يد فيروز ويدي اللتين أطبقتا على فمي. كانت هناك امرأة مشوهة الوجه والجسد أقرب إلى الحيوان منها إلى الانسان متكومة على السرير وهي تسدد إلينا نظرة وحشية. كانت ضئيلة الجسم، نبت الشعر على يديها وساعديها. لم أستطع إطالة النظر إلى ذاك  المخلوق المخيف فأخفيت عينيّ بيديّ ثم ركضت عائداً من حيث أتينا فلحقت بي فيروز ولولاها لكنت تعثرت وتدحرجت إلى أسفل الدرج.

لم تستطع فيروز اللحاق بي إلى غرفتي فقد كان عليها العودة قبل أن يتفرق محفل جدي وتعود أمها وزوجها فيكتشفان غيابها. وفي الصباح، كنت أشعر بوهن في جسمي وأعصابي بسبب جرعة الرعب الهائلة التي نلتها وعدم تمكني من النوم، فقد كان الخوف قد احتل كياني وكنت أحسب عند أية حركة أو طقطقة أن عمي سليم قادم ليقتلني أو تلك المرأة الوحشية قادمة لتأكلني، وقد أسرفت في البكاء حين كنت متعلقاً بستارة السطح أتكلم مع أمي بالإشارات وقد حاولت المسكينة أن تواسيني دون أن تفهم إشاراتي وأنا أصف لها ما سمعت ورأيت ليلة البارحة. وفي المساء انتظرت مجيء فيروز بفارغ الصبر فقد كنت أتحرق شوقاً لمعرفة سبب وجود تلك المرأة الوحشية في البيت فأخبرتني فور مجيئها بأنها عمّة من عماتي وقد  ولدت على هذه الشاكلة وقد أراد جدي وعمّاي قتلها أكثر من مرة إلا أن جدتي كانت تمنعهم وتقول إن رزقهم الذي تضاعف عشرات المرات حين ولدتْ سوف يزول ويتحولون جميعاً إلى فقراء إذا ما حدث لها مكروه.

جلست متعباً وخائفاً وكلي قناعة أنني ميت لا محالة، أو على أقل تقدير طريح سجن جدي الرهيب. كنت قانطاً من أية رحمة وقد اسودت الدنيا في عينيّ أنا ابن الثالثة عشرة. إلا أن فيروز همست لي ونحن جالسان في الممر يضيئنا نور غرفتي الذي كان بابها يسكبه كحزمة لها شكل هندسي مؤلف من سطوحٍ متوازية. فجأة همست لي ابنة عمتي وهي تمد لي قطعةً معدنيةً لها شكل مفتاح هائل الحجم:

– لم لا تهرب وتأخذني معك؟

كان لكلمة الهرب صدى مدوٍ في رأسي. لماذا لا أهرب؟ هكذا تساءلت وأنا أخطف مفتاح البوابة الخارجي من يد فيروز. كان ثقيلاً وبارداً لم تستطع يدا تلك الصبية أن تدفئه. وافقت فوراً على فكرة الهرب ثم شرعت في طرح الأسئلة لكي أنظم في عقلي الفكرة جيداً. طرحت عليها كل الأسئلة التي خطرت في بالي آنئذ فعرفت أن أفضل وقت للهروب هو قبيل آذان الفجر بدقائق، ففي هذا الوقت يكون الجميع نياماً بعمق وآذان الفجر سيوقظ بعض الخدم. يكفي أن نقفل البوابة من الخارج بحرص شديد لأن نكون في أمان لمدة ساعات لأنهم لن يكتشفوا غيابنا إلا في وقت متأخر من الصباح.

في اليوم التالي ألقيت لأمي بورقة مطويّة كتبت فيها ماذا عليها أن تفعل وعندما قرأتها ارتبكت وحاولت أن تثنيني عن الهرب، إلا أنها وتحت إصراري أشارت لي أنها ستنتظرنا الليلة قبيل الفجر في نفس المكان ثم نهضتْ وابتعدتْ، أما أنا فقد عدت إلى غرفتي وأمضيت باقي النهار والليل مستلقياً في السرير مرتجفاً خوفاً من افتضاح أمري. وعندما صعدت الخادمة بالطعام ووجدتني على هذه الحال حسبتني مريضاً فجاءت لي ببعض حبوب الكينا لأبلعها فجاريتها بذلك فشعرت بمرارة فظيعة في فمي وحلقي. خفت أن تصعد إلي مراراً ولكنها اكتفت بالمجيء بعد العشاء لتنزل بالأطباق التي لم أكن قد مسستها إلا أنها اطمأنت إلى أنني غير محموم فلم تعد إلي.

كنت خائفاً من أن أنام ويفوتني موعد الهروب ويبدو أن فيروز قد ساورها نفس الخوف، وأستطيع القول بأنني أمضيت أطول ليلة في حياتي كلها مستلقياً في سريري في الظلام. وقد شعرت في لحظة ما أن الوقت قد حان فارتديت ثيابي وأقعيت في زاوية مظلمة انتظر نزول فيروز من غرفتها ولكنني كنت مخطئاً فقد كان الوقت أبكر مما يجب بساعة ونصف تقريباً وعندما جاءت فيروز أخيراً كانت مفاصلي فقدت مرونتها. لم نتكلم ولا كلمة واحدة بل أشارت إلي لأتبعها فمشيت خلفها في المسارات المظلمة دون أن يصدر عنا أي صوت. عبرنا إلى الباحة الخارجية وهناك شعرت أن المسافة التي تفصلنا عن البوابة لن تنتهي أبداً ولأول مرة أيضاً حسبت أن للسكون ضجيجاً في الآذان وأن العتمة ليست ظلاماً في المطلق يمكن الاختباء فيها بأمان.

كنت أعرف أن فيروز أكثر شجاعة مني ولكنني لم أكن أعرف أنها أقوى مني إلا حين فشلتُ في فتح الباب الصغير في البوابة الكبيرة فأبعدتني لتقوم بالعمل على أكمل وجه. وعندما أصبحنا أنا وفيروز في الخارج بدون أي متاع، كانت الأمور قد جرت حسب تخطيطنا ودون أية مفاجآت غير مرغوبة. أقفلنا باب البوابة الصغير والخاص بالأفراد بذلك المفتاح الضخم ومشينا بهدوء لننضم إلى أمي التي أجّلت قبلاتها إلى بعد حين. ولكنها لم تقدنا إلى البيت بل إلى أحد كراجات السفر حيث استقللنا البوسطة إلى مدينة أخرى وهناك استأجرنا غرفة ثم بحثت أمي عن عمل كمدرسة للغة الفرنسية فوجدته بسهولة. أما أنا فقد تابعت دراستي وحصلت على شهادة البكالوريا ثم على شهادة المحاماة ثم تزوجتُ فيروز.

التفكير بنعيمة

ولما كان الوقت قد تأخر أطفأ النور واستدل بيديه الدرب إلى السرير الذي كان اشتراه من سوق الجمعة حين فكر بالزواج من جارته نعيمة ابنة الإسكافي التي فهم أنها تحب النوم على سرير افرنجي، ولكن الزواج لم يتم ولا يعرف لماذا لم يتم وسأل نفسه نفس السؤال وهو يلمس طرف السرير بيديه في العتمة. وعندما استلقى قرر ان يستمر في التفكير بنعيمة خاصة أنه لا يستطيع النوم فور استلقائه وعليه دائماً ان يبحث في ذهنه عن موضوع شيق كي يشعر بشيء من السعادة لربما أثر ذلك في الأحلام التي ما تنفك تأتيه بكثافة. ونعيمة كانت تسأله باستمرار عن سبب عدم زواجه وكيف يتدبر أمور طعامه وغسيله حتى جاء اليوم الذي قرر فيه ان يطلب منها ان تتزوجه ما دامت تشغل بالها في أموره وهو يتذكر الآن كيف درس الأمر من كل جوانبه ووجد انها ربما ترغب به رغم سنواته الستين وهي عانس في الخامسة والثلاثين ثم انها ليست عظيمة الجمال والحَوَل الذي في عينيها ليس بالتأكيد حَوَل الحُسنِ كما يقولون بل زاد في عادية جمالها. وهو يقول إن جمالها عاديٌ لأنه يرفض التصريح، ولو لنفسه وهو مستلق على السرير الافرنجي، انها قبيحة رغم ان الشبان يقولون عنها إنها كذلك. وتذكر انه دَرَسَ الأمر جيداً فهو لا يريد ان يَطلب ويُرفض فيخْجل فقد أصبح في الستين وعاش حياته بعد وفاة أمه وحيداً فما معنى، وفي هذه السن، ان يخجِّـلوه فيرفضوا طلبه. ونعيمة لا تحب العيش في بيت أهلها إلى يوم القيامة خاصة وأن أباها قد رحل وورثته أمها في التحكم بها فصار وضعها أسوأ من قبلُ لأن أمها امرأة سليطة اللسان وتخاف من كلام الناس هذا غير أخوتها الكبار والأصغر منها الذين يحبون ان ينفخوا عضلاتهم أمامها. وفي كثير من الأحيان كان يسمع صراخاً من الأعلى، أي من شقتهم التي تقع فوق شقته وقبل أن يطفئ النور ويذهب إلى السرير متلمساً طريقه في الظلام بيديه الممدودتين أمامه. وقد فكر أكثر من مرة في شراء مصباح ليلي يضعه إلى جانب السرير ليتخلص من خوفه من التعثر بكرسي أو بفردة حذاء أثناء رحلته الطويلة من باب الغرفة حيث مفتاح النور وحتى السرير الذي يبعد طرفه القريب متراً ونصف المتر فقط، أما عن الصراخ فقد كان يفهم أن أمها وأخوتها يوبخونها ويسبونها ويدعون عليها بالحمى. وحين كان يفكر في الأمر جمع كل تلك الأسباب في خانة واحدة فوجد أنه إذا طلب أن يزوِّجوها له فأهلها لن يخجلوه بل سيرحبون بالفكرة على الأقل ليتخلصوا منها وليشيلوا همها عنهم ويضعوه على أكتافه كما يقولون. وتذكر كيف أنه كان عائداً من عمله حين وجد نعيمة تشطف الدرج فمسّى عليها فردت له التحية وسألته عما كان يحمل في كيس النايلون فقال إنهما صندويشتا فلافل سوف يلتهمهما على الغداء عندها قالت له إنه مسكين وعليه ان يبحث له عن زوجة تشيل كبرته فأجابها إنه بدأ يفكر جدياً في الزواج وإنه سيكون لها من الشاكرين إن دلته على امرأة عاقلة وابنة ناس ترضى بعجوز مثله، وقتها ابتسمت نعيمة ومدت يدها ووضعتها على يده التي كان يستند بها إلى درابزون الدرج فمر تيار كهربائي في جسده كله وشعر بحرارة شديدة تصعد إلى رأسه وزاد خفقان قلبه وجفاف فمه. وهو الآن يسمع خطوات في الشقة التي فوق وهي خطوات لانسان يعتمد في سيره على إنزال كعبي قدميه الحافيتين على الأرض بقوة فيحدثان صوتاً كصوت الطرق وهو منذ ان اكتشف أن هذه هي مشية نعيمة صار يتأثر بسماعه للخطوات أما مشية أمها فهي غير متميزة ولا تحدث صوتاً مثل هذه بل يخيل إليه أن أمها تسحب قدميها سحباً وهي قلما تسير حافية. وبقي عليه أن يتذكر وقع خطوات أخوتها الذكور الذين يزورونهما في أوقات متفرقة ولا يجتمعون كلهم إلا في العيدين الكبير والصغير وفي نصف شعبان بعد أن يعودوا من المقبرة إثر زيارتهم لقبر أبيهم المسكين الذي مات قبل أن يطمئن قلبه بتزويج ابنته نعيمة، فخطواتهم ذكورية وهم، في كل حال، يسيرون في البيت بأحذيتهم مما يجعل لخطواتهم رنيناً حاداً وخاصة واحد منهم الذي اهترأ كعبا حذائه وبرزت منهما المسامير التي ترنُّ على البلاط العاري. استدار إلى طرفه الأيمن ليطرد الأفكار عن الخطوات والأحذية فهو يريد أن يحصر أفكاره في الأمور السارة فقط فهذا ما يبتغيه دائماً قبل النوم ومنها مثلاً حين دخل إلى بيته يوم شطْفِ الدرج فجلس على كرسي وهو يلهث وأسند يده التي لمستها نعيمة وراح يستعيد، محاولاً أن يديم ذلك، الشعور الذي تملكه حين لمستها، فقد مضى زمن طويل منذ أن لمسته امرأة لآخر مرة، حتى أنه نسي تماماً ملمس يدي أمه حين كانت تدلك له رأسه لتزيل الصداع الذي كان يهاجمه، فكانت تمسّد له جبينه وعينيه وصدغيه وهي تتمتم بقل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق، وهو الآن ينام على الطرف الأيمن محاولاً استعادة ملمس نعيمة ومن أجل ذلك رفع يده ونظر إليها ولكن الظلام حجبها عن عينيه فأعاد إغماضهما متلذذاً بعودة الشعور الذي يؤدي حتماً إلى التذكر كيف أنه أضرب عن غسل يديه مدة ثلاثة أيام لكيلا يمّحي أثر اللمسة الذي كان عبارة عن شعور يحتل الجسد كله فتنتصب له الشعيرات وتتكزبر البشرة وتصبح خشنة. أما في الداخل فقد كان أثر اللمسة حلواً وكأن فرحاً انسكب فيه فجأة فيكاد المرء يشهق من سعادته الفائقة، وفي هذه اللحظة بالذات تذكر كيف أنه كان يترك العمل ليعود إلى منزله لعلّه يصادف نعيمة على درج البناية فيستند من جديد على الدرابزون متيحاً لها الفرصة لكي تلمسه من جديد ولكنه كان يعود إلى عمله خائباً ويبقى حتى نهاية الدوام معكّر المزاج لأنه لم يحظ بها، ولكنه في طريق العودة، وهو يحمل كيس النايلون الذي يحتفظ فيه بصندويشاته، يروق مزاجه من جديد لأنه قد يصادفها أو على الأقل سيجلس في غرفته يستمع إلى طرقات كعبيها وهي تمشي حافية من غرفة إلى غرفة في بيتهم الذي هو فوق رأسه وفي نفس الوقت يستعيد أثر لمستها الذي لا ينسى، ولكنه اكتشف بعد ملاحظة دقيقة انها تشطف الدرج يوم الخميس من كل اسبوع، وهو الآن يتذكر بعد أن استدار إلى جنبه الأيسر كيف صادفها من جديد فوقف مستنداً مثل المرة الأولى على درابزون الدرج وراح يتمعن في وجهها متلقياً رسائل لا سلكية يبثها جسدها باتجاه جسده أو روحها باتجاه روحه فحدثته عن صعوبة ايجاد امرأة في هذه الأيام دون طرق الأبواب فلم يجد نفسه إلا وهو يطلب منها أن تتزوجه هي وأنه لا يريد غيرها فاحمر وجهها وارتبكت ولم تعد تعرف ما تفعل فقرر أن ينسحب في الوقت المناسب ولكنه وقبل أن يتركها همس لها أنه سوف يتحدث إلى أمها. ولكن الكلام مع الأم ليس سهلاً فهي، كما هو معروف، سيئة الخلق وسليطة اللسان تستخدم في هجومها على الآخرين سبّات الرجال، ولكنه وهو مستلقٍ على طرفه الأيسر قرر ألا يفكر في الأم لأن التفكير فيها يسمم البدن وهو يريد أن ينام سعيداً لذلك، لم يستعد وقائع مقابلته لها حين صعد إليهم وفتح الموضوع ولكن الممتع في تلك المقابلة معرفته لطباع نعيمة في النوم ففي تلك الزيارة علم أنها لا تستطيع النوم إلا على سرير افرنجي رفّاس في حين أنه كان ينام على فراش يمده على لوح من الخشب بناءً على نصيحة طبيب المصلحة التي يعمل فيها بعد أن اكتشف أنه يعاني من مرض الديسك فقرر أن يشتري السرير. والتفكير في هذا الأمر يعتبر من أكثر المواضيع المتعلقة بنعيمة متعةً لأنه اكتشف أن لديه قضية يدور في الأسواق على قدميه من أجل اتمامها ومن طول بحثه عن السرير الذي سيرضي نعيمة عادت إليه آلام الديسك حتى نصحه أحد الزملاء في المصلحة أن يبحث عما يريد في سوق الجمعة، وهكذا وجد لنفسه عملاً يشغله في أيام الجمعة حين تعطل المصلحة ويضطر للمكوث في البيت وليبحث عن ذرائع للدخول والخروج من منزله لعله يصادف نعيمة التي تأخرت كثيراً في إبلاغه برد أهلها على موضوع طلب يدها ولكنه اكتشف وقتها أن أصوات رنين أحذية أخوتها راحت تتكرر باستمرار في بيتهم وكأن تلك الأحذية تسير فوق رأسه في كل ليلة، ثم راح يسمع أصوات صراخ غاضب ثم سبَّات وتهديدات وربما كانت هناك سبّة واحدة موجهة إليه وإلى عائلته، وهو لا يريد في هذه اللحظة، التي يتمنى فيها التفكير في الأمور الممتعة فقط، أن يستعيد كل ما سمعه وخاصة ذلك الصراخ الغاضب الذي يصفه بأنه عجوز فقير ومريض يسكن بالإيجار ثم أنه لا يريد أن يتذكر كيف أن أذنيه التقطتا بكاء نعيمة المر وأشياء أخرى ومنها خاصة تلك الأصوات التي يعتقد أنها أصوات قيام أحد أخوتها بضربها بقوة وبمساعدة أمها وهو يتذكر حينئذ أنه بكى بصمت حزناً على نعيمة وقد بكى مرة أخرى حين صادفها بعد عدة أسابيع وهي تشطف الدرج فاقترب منها يريد أن يخبرها أنه اشترى لها أخيراً السرير الذي تحب أن تنام عليه ولكنها هربت من مواجهته تاركة الماء يسيل على الدرجات ويتساقط من حوافها كالشلالات. وهو يتذكر الآن أنه بكى في غرفته رغم أنه لا يريد التفكير بمثل هذه الأمور التي تورث الغم في نفسه وشعر وقتها بالوحدة وأنه حتماً سيموت وحيداً دون أن يحظى مرة أخرى بلمسة امرأة على يده ومن أجل ذلك صار يفكر كل ليلة وقبل أن يغفو بنعيمة وبلمستها وكيف انها تركت في نفسه شعوراً ممتعاً وجذاباً يجعله ينام سعيداً ويحلم أحلاماً لذيذة.