العيد

عندما كنت صغيراً كنت أنظر إلى الكبار نظرة حسد، فهم يقضون أوقاتاً أطيب في المناسبات وخاصة في الأعياد، وعندما صرت كبيراً أصبحت أشتهي أن أكون صغيراً فالأعياد وجدت ليحتفل بها الصغار بطريقتهم البريئة تلك والتي بدونها لا يمكن تذوق متعة العيد.
العيد يقترب،
هناك مسافة طويلة يجب على الأطفال أن يقطعوها ما بين البيت والفرن. لصناعة كعك العيد نحتاج إلى “الصوج” وهذه لا يقوم رب البيت بشرائها وتخزينها رغم أننا نحتاجها قبيل كل عيد. يجب استعارتها من الفرن والأطفال هم من سيحملها فارغة من الفرن إلى البيت ثم مليئة في الاتجاه المعاكس. وحفلة صناعة الكعك وخبزه في الفرن تدخل في باب الاشتهاء والانتظار والفوضى اللذيذة التي تصاحبها. عندما أحضرت حصتي من “الصوج” فضلت الجلوس على المصطبة العالية ومراقبة النساء المنهمكات بالعجين. عمتي سعاد كانت تتلقف قطعة العجين ثم تبرمها بيديها الاثنتين على لوح خشبي لتصبح فتيلة وبحركة بارعة تدورها على شكل رقم خمسة. تصبح الكعكة جاهزة التكوين حين تكبس سعاد باصبعها على طرفي الفتيلة بعد أن تدوّر.
أما جدتي فقد كانت متخصصة بصناعة الأقراص المحشوة بالعجوة، ومن أجلها كانت تعبئ القالب بالعجينة المحشوة سلفاً ثم تقوم بدق القالب على طرف المنضدة فيسقط القرص في يدها. كنت معجباً بهذه الحركة البارعة، أما سعاد فقد كانت عمتي المفضلة لأنها تعرف الكثير من الحكايات. كانت تتواطأ مع الأطفال وكأنها في عمرهم. كنا وإياها نسرق الكعك المقمر ونختفي في السقيفة لنتلذذ بطعمه وهي تحكي لنا حكاياتها التي لا تنتهي. وعندما كانوا يعاقبوننا على سرقة الكعك قبل حلول العيد كانوا يعاقبون عمتي سعاد أيضاً.
كان بيتنا يضم عشر نساء، أما أمي فقد كانت واحدة منهن. هناك جدة واحدة بين كل هذه النساء وعدة جدات أصغر منها هن في الحقيقة إما بناتها أو زوجات أبنائها، ومن المعروف في بيتنا أن المرأة تصبح جدة بسهولة وسرعة.
لا أعرف عدداً محدداً للأطفال في بيتنا لكي أثبته هنا، فقد كان عدداً متغيراً باستمرار بسبب الولادات والوفيات الجديدتين. تشترك النساء جميعاً في عملية تغسيل الأطفال، فقد كانت عملية شاقة، خاصة يوم الوقفة حين يتساعدن على تسخين الماء ومناولته وعلى التقاط الأطفال من أيدي أمهاتهم بعد تغسيلهم إذ ان الأطفال يخرجون وهم بلون الشوندرة المسلوقة ويصرخون. كان حفل الحمام يستغرق النهار كله وينهك جمع النساء هذا ولكنه كان من ضروريات العيد فبدونه لا تنفتح الخزائن المقفلة على الثياب الجديدة والأحذية اللامعة.
كنت أحب عالم الكبار ولم أكن أفهمه، فقد كان سراً أين كان يذهب الكبار صبيحة العيد قبل أن يصفونا، نحن الأطفال رتلاً أحادياً مرتدين ثيابنا الجديدة، ليستعرضنا الجد بصحبة أولاده وأزواج بناته. هنا، وفي تلك اللحظة يبدأ العيد لأن الجد يصبح في أسعد أوقاته، فتترجع ضحكات الكبار وتعليقاتهم في أرجاء المنزل، بينما الأمهات يحمن حول أطفالهن لإعادة شد بنطلون أو قميص أو إعادة ربط حذاء. ثم، واحد اثنان ثلاثة ونبدأ بغناء إحدى الأغاني التي كانت العمة الصغيرة سعاد تعلمنا إياها.
للكبار وللصغار أيضاً،
تعرفت على عالم الكبار بالتلصص وهنا، تذوقت متعة جديدة وهي متعة التعرف إلى عالم غير معروف بالنسبة لطفل صغير. ممنوع على الصغار التواجد في عالم الكبار ولكننا كنا نجد أكثر من طريقة للتواجد دون أن يرونا. عندما كنا نوضع في أسرتنا كنا نتظاهر بالنوم وما إن تغلق علينا الأبواب حتى ننهض ونلطي بجانب نافذة صغيرة تطل على غرفة الجد الذي يجمع فيها كل أعضاء أسرته الكبار، من رجال ونساء، للمسامرة. كان جدي الشيخ يهوى الطرب وعندما كان يبحث عن عروس لأحد أبنائه كان يسأل عن مواهب الفتاة المرشحة. لم يكن يقصد المواهب المعتادة في الطبخ والغسيل والكنس. كان يقصد مواهب الغناء والعزف على الآلات الموسيقية التقليدية. جدي أنشأ دون أن يشعر فرقة موسيقية كاملة في بيته وكنت أتلصص عليهم وهم يغنون الموشحات والقدود. أما عندما كبرت وأصبحت فتى فقد ضمني إلى فرقته وكان علي أن أؤدي معهم ضمن الكورس طقطوقات ما أزال أتذكر كلماتها وألحانها حتى الآن، ولكن بصوت ليس فيه أي رخامة أو حنان فلم أولد لأصبح مغنٍ، إلا أن صوتي كان يطرب جدي ويجعله يغرق في الضحك وهذا كاف.
كانت ساحة العيد قريبة جداً من بيتنا حيث كانت تنصب المراجيح والقلاّبات التي كانت تغري الفتيات أكثر من الفتيان، كما كانت تنصب فيها العديد من الخيم حيث كانت تجري أنشطة مختلفة قريبة جداً من الفنون. إحدى تلك الخيم والتي كنت أتردد عليها كانت لأحد متعهدي الحفلات حيث كان يقدم آخر اكتشافاته الفنية. في الحقيقة كنت أتردد على خيمتين في تلك الساحة المتربة، خيمة السينما وخيمة الطرب تلك. فبينما كانت ظروف عرض الأفلام السينمائية بالغة الرداءة كان المطربون في الخيمة الأخرى من ذوي الحناجر الجيدة. مرة حضرت وصلة لمغن لم يكن قد بلغ الثالثة عشرة بعد. كان يغني مصحوباً بثلاثة من الآلاتية من أصول غجرية ألحاناً شجية. تعجبت لهذا الفتى وأردت أن أصنع حكاية غريبة لأرضي بها جدي الشيخ فانتظرت الفتى إلى أن أنهى وصلته وخرج فاقتربت منه وسألته أسئلة شخصية أردت منها التعارف فيما بيننا. لم يكن يعرف شيئاً عن أصوله ولا عن والديه. قال لي إن الغجر وجدوه ضائعاً في أحد طرقات المدينة فأخذوه وعلموه الغناء. في المساء كنت أجلس بجانب جدي وأنا أهمس في أذنه تلك الحكاية، وفي اليوم التالي رافقته إلى الخيمة حيث استمع إلى الفتى بانتباه شديد وللغرابة فقد وجدت الدموع تنهمر من عيني جدي اللطيف. حاول أن يحصل على الفتى، أن يتبناه، ولكن الغجر هربوا به ولم نعد نصادفهم في خيم العيد بعد ذلك.
كان في الساحة أيضاً ساحر يدهش الفتيان أمثالي بألعاب الخفة. كان يقف على صندوق خشبي يحمله معه أينما يذهب. كان يستخدمه أيضاً كمستودع لأدواته التي يستخدمها في ألعابه. كان يخرج شفرات الحلاقة القاطعة من فمه أو يخرج حبلاً طويلاً من المناديل الحريرية الملونة والمعقودة بعضها ببعض من أذنيه. كنا نضحك جاحظي الأعين وعندما يجد انه قد استطاع أن يسحرنا بألعابه كان يخرج قوارير صغيرةً تحتوي على دواء لكل الأمراض بلا استثناء ويعرضها علينا لنشتريها. هذا الرجل استطاع أن يحصل مني على ليرات كثيرة بسبب خفته وبسبب حلاوة صوته حين كان ينادي على دوائه العجيب: أبو فاس.. أبو فاس.
في خيمة السينما تعرفت، رغم ظروف العرض السيئة، إلى أهم الأفلام الكلاسيكية العربية والتي حرصت فيما بعد على حضورها في صالات السينما المجهزة بشكل جيد، مثل فيلم “أنشودة الفؤاد” لجورج أبيض وفيلم “صاحب السعادة كشكش بيه” لنجيب الريحاني، وشاهدت بعض أفلام بشارة واكيم ومحمد عبد الوهاب وفيلم “الغندورة” لمنيرة المهدية.
كنت قد بلغت السادسة عشرة حين وصل دور “الصحنيّة” إلى بيتنا. وأنا لا أزال أتذكر تلك المناسة بسبب حصولها خامس يوم العيد. والصحنيّة تعني أن الضيوف يأتون وكل واحد منهم يحمل صحناً مليئاً بالأطعمة ومن مطبخ بيته بالتحديد. كان الطقس حاراً فانعقدت السهرة في باحة الدار الكبيرة وحول البركة التي كنا ملأناها منذ الصباح بالماء الصافي وتركنا بعض الأسماك الذهبية تسبح فيها. كنت أعرف أن جدي مشترك في سهرة الصحنية الشهرية تلك ولكنني لم أحضر ولا مرة واحدة إحدى هذه السهرات. امتلأت باحة الدار بأصدقاء جدي من الشيوخ والتجار والأعيان المعروفين في المدينة كلها بحبهم للطرب. وهناك علاقة حميمة في مدينتنا بين الشيوخ والطرب، فقد كان أكثر أصحاب الأصوات الجميلة من الشيوخ مثل الشيخ عمر البطش والشيخ بكري كردي الذي كان حاضراً في سهرة الصحنية تلك في بيتنا. كما أن الشيوخ الأفاضل هؤلاء كانوا مدرسة كاملة في الطرب ولن يُعرف أي مطرب مهما كان إن لن يمر أمام هؤلاء الشيوخ بنجاح ويعترفوا به وبصوته. وقد لاحظت أن العديدين ممن حضروا كانوا من المؤذنين أمثال صبري مدلل وغيره ممن لم أعد أذكر أسماءهم.
الطرب والمرح أهم ما كان يميز سهرات الصحنية تلك. كان المرح ينصب على حب بعض الشيوخ لبطونهم، وفي هذا الباب كان هناك الكثير لكي يقال عن طرائف البعض والفصول التي حدثت معهم بسبب ولعهم بالطعام وحبهم لتذوق اللذيذ منه، أما عندما كانوا ينتهون من تناول الطعام فقد كان يقدم لهم عدة أدوار من الشاي المخمر بكؤوس مخنصّرة ومذهبة. كانت لذة تذوق الشاي المصنوع جيداً تفوق لذة تذوق النبيذ الجيد بالنسبة لشاربيه وليس غريباً أنهم أطلقوا على الشاي اسم “خمر العلماء”. كانوا يرتشفون الشاي وهم يستمعون إلى الشيخ بكري كردي الذي كان يغني الكثير من ألحانه. لقد تعلقت بهذا الإنسان منذ اللحظة الأولى التي استمعت فيها إليه وهو يؤدي “ابعتلي جواب وطمّني” التي ما تزال حية حتى الآن رغم مرور أكثر من خمسين سنة على تلحينها.
بعد ذلك اليوم أصبحت أحرص على مرافقة جدي إلى سهرات العلماء والشيوخ الشهرية. لم اعد انتظر لينتقل الدور إلى بيت جدي بعد أن انتقلنا منه وأصبحنا نسكن في بيت منفصل، بل أصبحت ألح على جدي ليصطحبني معه. وكنت أغريه فأزوره وأؤدي له بعض الأغاني بصوتي الذي لم يكن فيه أي جمال فيضحك، يضحك حتى تدمع عيناه. كنت آتي له بأغان لمغنين على الموضة لم يكن قد سمع بهم مطلقاً فيزداد مرحه ويحسب أنني كنت أختلق له هذه الأغاني وأخترع أسماء مغنيها.

يومياتي مع برلنت

استيقظت على صوت برلنت العالي. كانت تقف على نافذة الدرج بجانب نافذة غرفتي وهي تثرثر مع جارتها التي تسكن في البناية المقابلة. هي تتعمد التكلم بصوت عال لكي أسمعها. طلبت منها عدة مرات ان تكف عن ازعاجي، ولكنها كانت تبتسم وتتمايل وهي ترنو الي بطريقة غريبة وتعتذر. برلنت تحبني وهي الآن تتحدث مع جارتها عن نساء سوف يأتين مساء لرؤيتها. تقول ان العريس يعمل في الامارات وسوف تسافر الى هناك اذا ما حصل النصيب. انها تكذب الملعونة، فقد حدثت ام حسن عن كثير من العرسان، وفي كل مرة كنت أحمد الله انها ستتزوج أخيرا وتريحني من ثرثراتها. ام حسن لا تفهم ان برلنت تتحرش بي. حاولت العودة للنوم، فلم تكن الساعة قد بلغت العاشرة بعد ولكن دون فائدة. نهضت أخيرا بعد ان علمت من برلنت ان في الامارات خادمات آسيويات رخيصات.
عندما كنت أخرج من شقتي، تفرست بي برلنت. صبّحت عليها فردت علي وقد التصق كتفاها بالجدار بينما دفعت جسدها الى الامام. كانت المسكينة عاشقة. كانت تبحث في وجهي عن أي أثر لأخبار خطابها الجدد. شاهدت ام حسن على شباك غرفتها فاندفعت مسرعة الى الداخل كي تبعد شعرها المنفلت عن عيني ثم عادت لتسترق النظر. قالت لي برلنت انها تعتذر فقد نسيت مرة أخرى ان تتكلم بصوت خافت وسألتني ان كانت قد أزعجتني. قلت لها لا، ثم هممت بالنزول ولكنها استوقفتني مرة أخرى. احتارت وقد احمر وجهها بما يمكن ان تقوله لي، فلم أكن أشجعها على الاطلاق بوجهي الجاف، ثم قالت: ” ما في شي” فتركتها ونزلت بينما ظلت واقفة تنظر الي كيف أنزل برشاقة وقد نسيت ام حسن.
كالعادة، ذهبت أولا الى البريد فلم أجد في الصندوق سوى احدى المجلات الملتزمة التي اعتادت احدى المنظمات ارسالها الي دون طلب فتصفحتها ثم تركتها على رف بائع الطوابع، ثم دلفت الى صالون تلميع الاحذية وعندما خرجت ذهبت الى المقهى.
25/7/1995
كنت عائدآ من الخارج حين صعدت الدرج دون اية ضجة كي لا أتفاجأ ببرلنت. أخرجت مفتاح الشقة بكل حرص وانا أنظر جهة باب شقتها المقابل لبيتي. ابتسمتُ لأنني استطعت الهرب منها، وربما لأن هذه اللعبة تجلب لي شيئا من التسلية. ولكنني لم ابتسم طويلا فقد انشق باب شقتها بهدوء في نفس اللحظة التي كنت أدفع فيها باب شقتي ثم خرجت وكأنها تتلصص، ففي هذا الوقت من بعد الظهر يكون أبوها قد عاد من عمله وتناول غداءه واستسلم لساعة قيلولة. كانت برلنت متجملة ويبدو انها قد انتظرت طويلا عودتي قابعةً خلف الباب. نادتني ” استاذ!!” فاضطررت لاجابتها ولكن دون ان أغير سحنتي (فانا ابدو وكأنني مستاء رغم انني لست كذلك) والواضح ان برلنت لم تكن قد اعتادت على طبيعة سحنتي فاضطرت إلى أخذ الحذر. ولكن أي حذر هذا..؟ كانت المسكينة تثير الضحك بسبب طريقتها الخرقاء في العشق.. وتبدو الآن وكأنها قررت القيام بمغامرة. قالت انها تريد استشارتي في أمر هام بالنسبة اليها خصوصا وانني مثقف ومتعلم وعندي خبرة في الحياة. هززت رأسي لتتابع دون ان ابتسم لكلماتها، فانا أعرف انها تجاملني وكل ما كانت تريده هو دقائق لتتكلم معي. قالت: ” خطبني مدرس بيشتغل في الامارات” قلت لها نعم، فسألتني وهي تسدد الي نظرة ذات معنى: ” أوافق والا لأ..؟” حاولت ان أهرب بناظري من عينيها، فقد كانت تلاحق تعابيري بطريقة مكشوفة. انها وبكل وضوح تريد ان تدفعني الى التقدم لخطبتها وكل هذه القصة عن مدرس الامارات تبدو لي مختلقة. انها بكل بساطة عاشقة ومسكينة..
أنهيت الأمر بعدة كلمات، فعليها ان تعرف انني لا أفكر بالزواج من امرأة بسيطة وشعبية مثلها. سايرتها في لعبتها وقلت لها انها لن تندم اذا ما تزوجت المدرس الذي يعمل في الامارات وانني أتمنى لها التوفيق فهي بسعر اختي فاطمة التي عرفتها حين جاءت لزيارتي مع زوجها محمد في العام الماضي.
ابتسمت لها برقة بعد ان تأكدت انني قد انهيت أوهامها بطريقة ناعمة كنت أحسب انها لن تؤذي مشاعرها. أطرقت برلنت صامتة. كنت أنوي الانسحاب ودخول شقتي إلا ان ارتجاف زاوية فمها أوقفني. ظللت واقفا أراقبها باحثا في ذهني عن كلمات أشجعها بها لارتياد مغامرة السفر الى الامارات رغم اقتناعي بعدم وجود مثل هذا المشروع أصلا فشاهدت دمعتين تنسلان من عينيها. رفعت الي عينيها الحمراوين والرطبتين ثم رسمت بشفتيها كلمة ” طيب” واستدارت ثم دفعت الباب وغابت خلفه. سمعت تكة الباب وهو يغلق بنعومة.
16/8/1995
انشغلت في الايام الماضية بكتابة والقاء محاضرة عن المستشرقة الانكليزية الليدي ” آن بلنت “التي زارت المنطقة عام 1878 وكتبت كتابا عن قبائل بدو الفرات تحضيرا لاحتلال جيوش بلادها للمنطقة. كنت استغرق في موضوعي طوال الليل وأظل نائما حتى الثانية عشرة. كنت في بعض الأحيان أترك عملي لأن صورة برلنت وهي تبكي تكون قد هاجمتني فأشعر بالحزن عليها فهي انسانة بسيطة ولكنها طيبة وليس ذنبها انها عشقت شخصا مشغولاً بأمور الثقافة. ثم لاحظت انها لم تعد تزعجني صباحا ولم تعد تقف على نافذة بيت الدرج القريبة من نافذة غرفة نومي لتتحدث بصوت عال مع جارتها ام حسن. وإذا أردت ان أسجل السبب حسب رأيي فإنني أعتقد انني استطعت أخيرا اقناعها بعدم جدوى دعوتي الى خطبتها، أي انها فقدت الأمل بي فتوقفت عن اختلاق مواضيع الخاطبات.
وبسبب انشغالي بالليدي ” آن بلنت “لم ألاحظ تلك السيارة الامريكية فضية اللون ذات اللوحة الاماراتية التي أصبحت تزور الحارة وتقف على الرصيف بشكل عرضاني، كما انني لم أميز ذلك الرجل الاربعيني الذي راح يزور بنايتنا ويصعد الى نفس الطابق الذي تقع فيه شقة برلنت وشقتي. وفي هذه الليلة بالذات سمعت وأنا أكتب هذه الاسطر أصوات زغاريد آتية من مكان قريب، وبسبب من إنني كنت قد أشرعت النافذة وجلست الى طاولة الكتابة فقد حسبت بان الزغاريد تأتيني من بناية ام حسن أو من البناية الملاصقة لبنايتنا، فتركت القلم (هنا بالذات تركت القلم وعدت الى كتابة الاسطر التالية فيما بعد) ليس بسبب انزعاجي من الزغاريد بل لأن برلنت خطرت في بالي فتصورتها حاضرة في العرس وهي حزينة لأن احدى الجارات تتزوج بينما هي ستظل قاعدة في البيت بعد ان جربت حظها معي وفشلت لأنني أخشى الارتباط بانسانة غير متعلمة.
هناك شيء نسيت كتابته في مذكرات اليوم الأول وهو ان وجه برلنت جميل ولديها أنف دقيق وعينان بنيتان واسعتان كما ان جسمها ممتلئ بعض الشيء، وقد أعجبت بها في بداية سكني في هذه الشقة ولكن بساطتها وشعبيتها جعلتاني لا أفكر بها أكثر من ذلك، فمن المستحيل على واحد مثلي، يرتاد الاوساط الثقافية ويكتب ويلقي المحاضرات عن المستشرقين الاوروبيين الارتباط بواحدة مثل برلنت.
قرع الجرس فنهضت لأفتح الباب وأنا أحسب ان احدى زميلاتي المثقفات قد جاءت لزيارتي فقد كنت أواعد أكثر من واحدة واعتدن المجيء إلي حين تسنح لهن الفرص. لم تكن ولا واحدة منهن بالباب بل كانت الجارة ام حسن وقد أتت وقد صبغت وجهها بالاحمر والازرق لتطلب بعض الكراسي لأن ” عقبيل عندك يا استاذ، اليوم عرس جارتك برلنت”.. تساءلت: “عرس؟” فقالت: “نعم، عرس برلنت الله يهنيها” ثم أخبرتني ان العريس مدرس يعمل في الامارات.
19/8/1995
أمضيت الأيام الثلاثة الماضية في البيت. حاولت بشتى الوسائل ان أراها ولكن دون نتيجة، لذا فقد حاولت أن أكتب وصفا لمشاعري بعد ان ظهر غبائي الفظيع. كتبت وأكتب انني أشعر وكأنني خسرت رهانا أو فرصة غنية أو ما شابه. لا أستطيع ان أصف مقدار شعوري بالخسارة، رغم استغرابي هذا الشعور. كنت انتقل من النافذة فأنظر الى الشارع حيث تقف السيارة على الرصيف بشكل عرضاني، ثم الى باب الشقة فانظر في العين السحرية علها تظهر لدقيقة. كنت أريد مشاهدتها، أو بالأصح كنت أود رؤيتها وهي تراني أراها وهي عروس. كنت أريدها ان تعرف انني مندهش.
استلقيت في الفراش ورحت أفكر. إنها إذن لم تكن تحبني وكل أحاديثها عن الخاطبات مع ام حسن كانت صحيحة. هل كنت أتوهم ؟ لقد سألتني رأيي بخصوص زواجها من المدرس. هل كانت تسعى الى نصيحة أم أنها كانت تحبني فعلا وتعطيني آخر فرصة؟ طيب.. كنت أسعى للخلاص منها، فلماذا أشعر بفقدانها الآن؟ ولماذا بكيتْ عندما شجعتها على الزواج من المدرس؟ أسئلة كثيرة أرقتني كثيرا قبل ان أغفو، وعندما استيقظت كانت قد سافرت مع زوجها المدرس الى الامارات..

صبي الفندق

وضع صبي الفندق حقيبتي على حامل مخصص ثم ابتعد ووقف بكل ادب عند حافة الممر الصغير ينتظر مني منحة بعد ان اشعل المدفأة الكهربائية. في تلك الاثناء كنت اتفحص السرير وعندما انتهيت استدرت فوجدته يقف بشكل مثير للشفقة, فنقدته بقشيشا من عدة قطع معدنية دون ان اعدها فانحنى ثم غادر الغرفة.
بعد خمس عشرة دقيقة افقت من شرودي لأجد نفسي اقف في مكان الصبي اتطلع الى الخارج, عبر النافذة. كان المنظر كئيبا بسب فصل الشتاء الذي نحن فيه. لو كان الفصل ربيعا لتغير المنظر واصبح جميلا وربما اخاذا. انه عبارة عن مساحات شاسعة من الارض الجرداء التي يغبشها ضباب شفاف. لون الارض يميل الى الرمادي كلون سترتي الصوفية. الشيء الذي جعلني اتطلع بشرود نحو الخارج كان شجرة عارية الاغصان تنتصب وحيدة على مبعدة من الفندق. اثر بي المنظر الكئيب فأخذت نفسا عميقا ثم اخرجت الهواء من رئتي على شكل صوت يشبه الانين. ولكي لا اجلس على السرير اقتربت من الحامل وفتحت حقيبتي ورحت اسلي نفسي بافراغها. كنت قد حملت معي من المنزل معظم بياضاتي وقمصاني وجواربي وبعض الكتب وكمية كبيرة من الاوراق البيضاء. رتبت الملابس الداخلية في الجارور العلوي ووزعت باقي ملابسي على الجوارير السفلية ثم علقت بدلتي الاخرى, التي يميل لونها الى الاسود, في الخزانة. اما منامتي فقد وضعتها على السرير. بعد قليل كنت اتشمم رائحة المطهرات في الحمام ثم غسلت اسناني ووجهي وحاولت ان اتبسم لنفسي في المرآة ولكنني لاحظت ان العبوس يريحني اكثر فخرجت الى الغرفة وانا اتفادى النظر الى الخارج محاولا رفع معنوياتي. مع ذلك, استلقيت وانا اشعر بالقنوط. لقد جئت الى هنا لانهاء روايتي التي تهرب مني منذ اكثر من عام. كنت قد زرت الفندق بصحبة بعض الاصدقاء منذ عشرة اعوام. كان ذلك في الربيع وكانت الحقول مخضرة والطقس جميلا فظلت ذكرى الايام التي قضيناها هنا ماثلة في مخيلتي. الشيء الذي دفعني الى المجيء الى هنا للكتابة هو السكينة التي تخيم على المحيط. اما عندما اوقفت سيارتي, قبل قليل, وترجلت منها فقد لاحظت ان تغير الفصول قد يترك تغيرا جذريا على الاشياء وخاصة على الفندق, فقد كانت واجهة الفندق قد هرمت. اغفيت لما يقارب نصف الساعة واستيقظت على نقرات خفيفة على الباب. عندما نهضت شعرت بدوار خفيف اعتدت عليه بعد كل سفرة طويلة. نظرت الى ساعة يدي فكانت الثالثة والنصف, اما النهار فقد كان يتراجع مبكرا مما زاد في شعوري بالندم لأنني تركت غرفتي في المدينة واتيت الى هنا لأتمم رواية منفلتة. فتحت الباب فكان صبي الفندق. سألني بكل أدب ان كنت سأنزل لتناول طعام الغداء. مراقبة وجهه الطفولي وادبه الغريب جعلني اتأخر في اجابتي. قلت له سوف انزل فورا فاستدار وابتعد على طول الممر حتى الدرج. كان الممر مفروشا بالموكيت فلم تكن تسمع خطوات الصبي. ظللت اراقبه وهو يبتعد. كان يرتدي قميصا ابيض نظيفا وبنطالا اسود وحذاء لامعا. كان يبلغ الثانية عشرة وخطواته متزنة وبطيئة نسبة الى الاطفال في سنه. عيناه مستديرتان وسوداوان بينما شعره ينسدل على جبهته حتى حاجبيه. استدار الي قبل ان ينزل الدرج ثم اختفى. ظللت واقفا في الممر مستندا الى فتحة باب غرفتي دون ان افكر بشيء محدد. كل ما هنالك انني كنت امدد شعوري بحلاوة حضور الصبي. نزلت وانا اشعر بجوع خفيف. كانت غرفتي في الطابق الثاني من الفندق المكون من ثلاثة طوابق. توقفت في ممر الطابق الاول برهة علني اسمع حركة تنم عن وجود نزلاء اخرين فلم تلتقط اذناي اي صوت فتابعت النزول. كان صالون الفندق في الطابق الارضي هادئا وسيء الاضاءة كما وجدته حين وصولي, وان كان علي ان اصفه فيمكنني القول انه مستطيل الشكل ونظيف وارضه مكسوة بالسجاد. تقع منضدة الاستقبال في الجهة المقابلة للمدخل وهناك زاوية للجلوس صفت فيها عدة مقاعد وثيرة على شكل مستطيل, الى جانب مدفأة ضخمة تعمل على النفط. لاحظت ان معظم مفاتيح الغرف معلقة في اماكنها المرقمة بطريقة لا تلائم فندقا صغيرا ومهجورا مثل هذا, فقد كانت تبتدئ بالرقم مئة في الطابق الاول ومئتين في الطابق الثاني ونفس الشيء في الطابق الثالث. كنت اود الدردشة مع صاحب الفندق ولكنني وجدته يصلي خلف منضدته فاتجهت الى قاعة الطعام. كانت القاعة خالية تماما ونظيفة, اللهم الا من رجل عجوز محني الظهر يتناول حساءه وقد ارتدى كامل ثيابه بما فيها المعطف وقبعة مبسطة ذات رفراف في الامام. جلست الى مائدة بجانب الجدار وبشكل اواجه العجوز. تسليت بمراقبة الرجل السبعيني. بعد قليل دخل الصبي حاملا طبقا وعندما شاهدني ابطأ في مشيته قليلا ثم تابع باتجاه مائدة العجوز. وضع امامه الطبق ثم راحا يتهامسان برهة. كان الصبي يلصق فمه بأذن الرجل ويحادثه, اما هو فقد كان يهز رأسه اكثر مما يفتح فمه المشغول بالمضغ. استقام الصبي, ودون ان يأتي الي ليسألني عما سأتناول, نظر نحوي برهة ثم عاد الى المطبخ. تابعته حتى غاب خلف الباب. عدت الى النظر الى العجوز. كان منهمكا في مضغ طعامه. كان يبلل قطع الخبز في كأس الماء ليسهل عليه عجنها بأسنانه البديلة. دخل الصبي حاملا صحن حسائي. وضعه امامي بخفة ثم ناولني الملعقة وابتعد. اردت ان اسأله ان كان هو الذي يحضر الطعام ام ان هناك طباخين, فلم اكن اسمع صوتا من المطبخ, الا انني فضلت تناول الطعام فتركته يذهب ليقترب من العجوز. جلس الى جانبه واسند رأسه بقبضته وراح يهمس له. لم استطع التقاط اية كلمة لأن فم الصبي كان قريبا من اذن العجوز. عندما خرجت من قاعة الطعام كان مالك الفندق قد انتهى من صلاته وجلس ناعسا خلف طاولة الاستقبال. كنت احسب انني سأشاهد العجوز جالسا في الصالون, لأنه انهى طعامه وخرج قبلي مستندا الى كتف الصبي, ولكنني لم اجد اثرا له. فكرت ان اسأل المالك عن العجوز وعلاقته بالصبي ولكنني فضلت تأجيل ذلك لكيلا يحسبني فضوليا. استقام المالك في جلسته حين رآني ولكنه لم يكلمني. جلست في احد المقاعد التي تشكل مستطيلا بجانب النافذة. كان الظلام قد حل بكثافة, على غير عادته, بينما القى مصباح كهربائي ضعيف شيئا من النور على مساحة ضيقة خارج الفندق وانعكس على زجاج سيارتي. بسهولة عرفت ان الضباب الخفيف الذي كان يسود المكان في النهار قد زال نهائيا. احسست بدفء لذيذ الى جانبي فاستدرت. كان الصبي يهم بوضع فنجان من الشاي امامي على الطاولة القصيرة. ابتسمت له ولكن عينيه السوداوين المستديرتين اطرقتا. حاول الابتعاد بعد ان وضع طبقا فيه بعض مكعبات السكر, فسألته: ـ ما هو اسمك؟ قال ان اسمه ايوب واستدار فورا ليبتعد فاصطدم بالمالك الذي ابعده عنه بدفعة من يده. جلس المالك على مقعد قريب بينما كنت اتابع الصبي الذي استدار والقى علي نظرة سريعة قبل ان يدلف الى قاعة الطعام. شاهدني انظر اليه فقال المالك: ـ انه من القرية القريبة. ـ ولكنه صغير ليقوم على خدمة فندق. حرك المالك يده بكسل وقال: ـ في الشتاء لا يأتينا زبائن كثر, ثم انه يتيم الاب وامه هجرته وذهبت لتتزوج في المدينة. ترك المدرسة ليعيل جده. ـ وهل ذلك الرجل العجوز جده. قال نعم, ثم شرح لي كيف ان الصبي لا يكلفه سوى طعامه وطعام جده. امضيت فترة اثرثر مع المالك عن الشتاء القارس في هذه الاصقاع الوحشية. نقلت له دهشتي من بنائهم للفنادق في هذا المكان. اخبرته بأنني كنت هنا مع بعض من اصحابي قبل عشر سنين ولكن في فصل الربيع. حاول ان يتذكرني ولكن عبثا. اخبرته بأنه لم يكن هناك زبائن ايضا. لم يجيبني عن تساؤلي حول السبب الذي دفعهم لبناء الفندق في هذا المكان البعيد, فنهضت بعد دقائق, ودعته ثم صعدت الى غرفتي. جلست خلف الطاولة ورحت اتصفح فصول الرواية غير المكتملة. كنت قد قرأتها عشرات المرات بسبب رغبتي المتكررة في متابعة كتابتها فلم اجد في نفسي الرغبة في قراءتها من جديد. كنت احفظ وقائعها عن ظهر القلب. بينما كان عابد, الذي تجاوز الخمسين من عمره, يقطع احدى الحدائق العامة يوما ليختصر الطريق, واذ به يلتقي بسهام. لم يكونا قد التقيا منذ خمسة وعشرين عاما بعد ان فشل حبهما فتزوج هو من ابنة عمه وتزوجت هي من زميل لها في المدرسة الابتدائية التي كانت تعمل فيها كمدرسة. صارا يلتقيان باستمرار فيجلسان على احد المقاعد ليحاكما نفسيهما, من كان السبب في فشل حبهما ولماذا فشل؟ كانا يسترجعان سنوات حبهما ثم السنوات التي اعقبت زواجهما من شخصين آخرين زواجا تقليديا بحتا. هل كانا سعيدين في زواجهما, وكيف ينظر كل الى الاخر بعد كل هذه السنين؟ كانا يحتدان مرة بسبب المصاعب التي يلاقيها كل منهما, ويتلاطفان مرة اخرى حين يتحول الحديث الى اللحظات الحلوة التي قضياها معا في شبابهما. لقد اكتشفا انهما غير سعيدين وانهما لا يزالان يحب كل منهما الاخر. مرت الايام والاسابيع وهما على هذه الحالة. اصبحا ينتظران حلول ساعة اللقاء في الحديقة العامة ليهرعا للمناجاة والذكريات, وفي احد الايام يتغيب عابد. تنتظره سهام طوال الساعة ولكنه لم يأت. ترحل على امل ان تلقاه في اليوم التالي ولتسامحه على تغيبه لأن (الغائب عذره معه) ولكنه لن يحضر لا في اليوم التالي ولا بعده. تعرف سهام بأنه قد توفى بعد ان قرأت نعوته مصادفة. تحزن عليه وتبتئس. لقد رحل بعد ان اعاد نكئ الحب القديم والوحيد في حياتها. تتابع سهام حياتها مع اسرتها, ولكن بعادة جديدة لم تكن تملكها سابقا. اصبحت تطلق تنهدات حارة وعميقة دون سبب معروف. استيقظت صباحا وقد نمت ليلتي بعمق. مستلقيا فترة محاولا التقاط اي صوت سواء داخل الفندق او خارجه, ولكنني لم احصل على دليل على ان الحياة مستمرة. نهضت من سريري لأدخل الحمام. توقفت عند النافذة ونظرت الى الخارج. كان النهار سقيما وباردا والجو هادئا بدون عواصف بينما عاد الضباب الشفاف ليملأ الكون. لا طير يطير ولا وحش يسير والارض عادت لتكتسي بلون فضي مريع. كدت ابتعد عن النافذة لولا ان لفتت انتباهي تلك الشجرة الوحيدة عارية الاغصان. مسحت زجاج النافذة بكم منامتي ثم قربت وجهي منه. اصابتني رعشة في جسدي فقد كان هناك العجوز اياه وقد جلس على كرسي بشكل ادار ظهره المحني الى الفندق دون ان يأبه للصبي الذي كان يرتع ويلعب ويقفز في الهواء الى جانبه. فتحت النافذة غير آبه بالبرودة لأتمكن من معاينة المنظر بشكل افضل. صار الصبي يدور حول جده الجالس, الذي يبدو وكأنه غائب عن الدنيا, بهرولة بطيئة يتخللها دوران حول الذات مفتوح اليدين. شاهدني الصبي فتوقف. اقترب الى محاذاة جده ثم وقف يواجه الفندق الذي كنت اقف في احدى نوافذه المفتوحة دون ان آبة للطقس البارد. ظللنا هكذا فترة. العجوز الجالس والذي لا ارى سوى ظهره المحني, والصبي الذي يقف الى جانبه وانا الذي اقف على النافذة. ما كنت مشدودا اليه هو منظر الشجرة والعجوز والصبي يقف تحت اغصانها العارية وفي الاعلى سماء مكفهرة وفي الاسفل ارض تبدل لونها بفعل الصقيع. شعرت اننا تواجهنا لمدة كافية فاحسست بالبرد فتراجعت واغلقت النافذة. دخلت الى الحمام. وبينما كنت احلق ذقني انتبهت الى ان المنظر لا يغيب عن بالي. نزلت الى قاعة الطعام وجلست الى نفس الطاولة التي احتللتها في الامس. جاء الصبي بالافطار الذي كان عبارة عن خبز التنور وقطعة من الجبن وعدة حبات من الزيتون وشيء من مربى المشمش والشاي. لاحظت ان وجه الصبي لايزال محمرا من برودة الخارج. كان يطرق عينيه الى الاسفل حالما تلتقي بعيني. سألته عن صحة جده فقال انها لا بأس بها. سألته ان كان بامكاني التحدث اليه فقال انه ذهب الى بيته في القرية ثم اسرع في الاختفاء داخل المطبخ. تناولت افطاري بينما كانت صورة العجوز الجالس تحت الشجرة لا تبارح مخيلتي. خرجت الى صالون الفندق وتبادلت الاحاديث مع صاحبه ثم خرجت لأتنشق الهواء البارد. وقفت وظهري الى الفندق اتمعن الشجرة والمقعد المتروك تحتها. ظللت واقفا لعدة دقائق حتى شعرت بقدمي تتجمدان وبعيني تدمعان من شدة البرودة فعدت الى الصالون لأجد صاحب الفندق يصلي فصعدت الى غرفتي وقد صممت على الجلوس للكتابة. سأصف بسرعة ما كنت اشعر به حين فتحت اوراقي وامسكت بالقلم. كنت اشعر بدغدغة حلوة في صدري بسبب الهدوء والصبي وجده والشجرة والطقس الشتائي الرمادي في الخارج. اعدت قراءة عدة اسطر وكانت بالتحديد عن الحديقة العامة ولحظة لقاء بطلي ببطلتي. شعرت انني لا استطيع التواصل مع تلك اللحظة او تخيل تلك الحديقة العامة. كانت صورة الشتاء خارج الفندق والشجرة العارية تلح علي وتجعل حديقتي العامة تافهة. ماذا لو اعدت الكتابة؟ هذا محال, فقد كتبت اكثر من ثلث الرواية. علي ان اعيد ملاءمة مخيلتي مع ما كنت قد كتبته حتى الان. وجدت انني لم اتمكن من كتابة سطر واحد فتركت اوراقي وعدت للنزول الى الصالون لقتل الوقت في الحديث مع صاحب الفندق. تحدثنا عن الطقس وعن القرية وتمكنت من معرفة اين يقع بيت الجد. فكرت بالذهاب لمعاينة البيت ولكن البرد الشديد في الخارج منعني من التفكير بشكل جدي في ذلك. اخبرني ان عروسين من دمشق جاءا يقضيان شهر العسل في فندقه ولكنني لن اراهما في فترة الغداء لأنهما طلبا ان يقدم لهما الطعام في غرفتهما. صعدت الى غرفتي انتظارا لموعد الغداء فاغفيت لمدة ساعة حلمت اثناءها بأحداث روايتي ولكن بشكل مختلف عما كتبته حتى الان. حلمت بأن بطلي كان يجلس في حديقة عامة, رغم البرد الشديد مرتديا معطفا ثقيلا ويحمي رأسه بقبعة عادية بينما انحنى ظهره بفعل تقدمه في السن, فقد كان في السبعينيات. للغرابة كان هناك صبي في الثانية عشرة يلعب الى جانبه. في هذه الاثناء تقترب بطلتي آتية من احد مداخل الحديقة لتخرج الى الجهة المقابلة. كانت هي ايضا امرأة عجوز وربما بلغت منتصف الستينيات. كانت تحمل حقيبة بلاستيكية وتضع على رأسها منديلا صوفيا. حلمت بالمرأة تقترب من مكان الرجل العجوز في مشهد لأشجار عارية تحت سماء داكنة. كانت تسير وهي تنظر الى الصبي وعندما حولت عينيها الى العجوز استيقظت. ظللت لدقائق جالسا في السرير افكر في الحلم وفي وقائع روايتي المكتوبة. كان المنظر يضغط علي ولكنني آثرت النزول لتناول طعام الغداء. كانت مفاجأة حين وجدت العروسين يحتلان طاولة في صالة الطعام. جلست قبالة العجوز وعلى يسار العروسين. كان الشاب يهتم بطعام عروسه التي كانت تتمنع خوفا من ازدياد وزنها. كانا يتهامسان ويبتسمان. اما العجوز فقد كان يمضغ بصعوبة مستغرقا فيما يفعله. لاحظت انه لايزال يحافظ على وسامة ايام الشباب رغم كبر سنه. وبينما كان الصبي يتنقل بين المطبخ والصالة حاملا الصحون الى طاولاتنا انتبهت الى مصادفة غريبة, فقد كان الشاب المتزوج حديثا يشبه الى حد كبير الرجل العجوز. اقترب الصبي من جده وراح يهتم بتليين قطع الخبز ويهمس له بكلمات لم التقط شيئا منها. انهى العروسان تناول طعامهما وخرجا من الصالة. قررت ان انتظر لكي يفرغ الجد من تناول طعامه لأتحدث معه ولكنني وجدت ذلك غير مناسب, فقررت ان انتظره في الصالون. خرجت فوجدتهما يقفان قرب النافذة يتفرجان على السماء الغائمة والارض الجرداء. دعاها للخروج ولكنها ابدت عدم رغبة في ذلك. كانا يضحكان بينما صاحب الفندق يراقبهما بصمت. جلست بجانب المدفأة وانا اتساءل كيف يخطر في بال العرسان ان يقضوا شهر العسل هنا وفي هذا الوقت. دفء الداخل وبرد الخارج اعاد اليهما نشاطهما فتهامسا ثم صعدا الى غرفتهما. ظللت صامتا لأنني لم اكن متحمسا للحديث مع صاحب الفندق, وما هي الا دقائق حتى خرج العجوز من صالة الطعام فنهضت اليه ادعوه لشرب الشاي معي. شكرني واعتذر, عندها طلبت منه مرافقته حتى القرية للفرجة وقتل الوقت فرفع كتفيه وقال كما تريد. تقع القرية على مسافة ثلاثمئة متر من الفندق وهي مكونة من عدد ليس بكثير من البيوت الحجرية ذات الاسقف البيتونية. كان منظرها كئيبا واشجارها عارية وتخلو طرقاتها من الناس تقريبا. سرت مع العجوز مسافة ولكنه ظل صامتا, عندها حدثته عن تهذيب حفيده البالغ وعن اهتمامه الشديد بجده. سألني عن مهنتي فلم اقل انني كاتب بل اكتفيت بالعموميات فلم يسألني كم اربح بل دعا لي بالرزق الوفير. قرب بيته خرجت عن تحفظي وسألته عن كنته التي تركت ابنها وذهبت الى المدينة لتتزوج. توقف لينظر في وجهي. كدت اعتذر عن تطفلي الغبي ولكنه عوضا عن زجري دعاني الى الداخل فدخلنا وكان البيت دافئا جدا ورطبا فقد كان هناك قدر كبير لسلق البطاطا فوق الموقد. كان البخار يتصاعد بكثافة وهذا ما دفعه على ما يبدو لرفض دعوتي الى الشاي في الفندق. انزلت له القدر ثم قمت بتحضير الشاي وجلسنا نحتسيه بينما كان يحدثني عن الماضي. قال ان ابنه كان قد احب امرأة من القرية المجاورة ولكن اهلها ابوا ان يزوجوها له لأنهم كان عليهم ان يسدوا دينا قديما الى احد الاقارب فزوجوها له على ان يصبح الدين مهرها. حزن الشاب وابيض شعره وزهد بالحياة واطلق لحيته. ظل على هذه الحال مدة, ثم قرر ان يتزوج من فتاة جميلة من بنات القرية فرزق منها بهذا الصبي ايوب الذي يعمل في الفندق. بعد مدة بدأت بعض الاقاويل تشاع حول لقاءات كانت تجري بين ابنه وتلك المرأة من القرية الاخرى. قالوا انهما شوهدا جالسين وهما يتحدثان, مجرد لقاءات للحديث فحسب تتخللها زفرات وبعض الدموع التي كانت تطلقها المرأة, فقد كانت تشاهد دائما وهي تمسح عينيها. وفي احد الايام اصيب الرجل بعوارض غريبة, قد تكون مشابهة لحالات التسمم, ومات. هناك من يقول ان زوج المرأة هو الذي دس له السم ولكن, من يعلم.. الله وحده يعلم. حل صمت القبور على البيت فمكثت لحظة ثم نهضت وودعته وخرجت. كنت اعرف باقي الحكاية. سرت حتى الفندق وقد نسيت شد معطفي على جسدي دون ان اشعر بالبرد, فقد كنت شاردا بين احداث روايتي وبين قصة العجوز. لم انتظر حتى اليوم التالي, فقد صعدت ولملمت اوراقي وحزمت حقيبتي وطلبت الحساب من صاحب الفندق الذي استغرب قراري المفاجئ. جاء الصبي ليحمل لي الحقيبة الى السيارة. كان حزينا. منحته بقشيشا مجزيا ثم قبلته على رأسه وشكرته لأنه يهتم بجده. ابتعدت بالسيارة, وقبل ان يطوي المنحدر الفندق, شاهدت الصبي لايزال يقف يراقبني ابتعد. غاب الفندق خلفي وغابت الشجرة عارية الاغصان ولكن يوما واحدا في هذا الفندق جعلني مشوشا. قررت ان اعود للكتابة حالما اصل بيتي ولكن, حتى الان لم اكمل تلك الرواية, ويبدو انني لن اكملها. ربما سأعيد كتابتها يوما.

صورة وثوب حرير وقارورة عطر

في إحدى المرات, وبينما كان أصحاب البيت غائبين, استطاع احد اللصوص الوصول الى فرندة الطابق الثاني بخفة ونشاط ثم قام بقص دائرة في زجاج الباب تتسع ليده بوساطة أداة خاصة ودخل الى الشقة. انتقل فوراً الى غرفة نوم الزوجين وراح يعبث في الخزانة والجوارير باحثاً عن المصاغ والمجوهرات, الا انه أثناء ذلك وجد الخزانة مملوءة بثياب الزوجة الحرير فوقف يتشممها ثوباً ثوباً فتملكه سحر طغى على قلبه فرَّق حاله. أمضى وقتاً طويلاً وهو يفعل ذلك, إلا انه تذكر ما جاء من أجله فترك الثياب وعاد للبحث عما خف وزنه وغلا ثمنه, فانتقل الى الخزائن الأخرى وقبل أن يفتحها وجد بروازاً فيه صورة امرأة مركوناً بجانب السرير فجلس وقرّب البطارية التي كان يستعين بها لإنارة طريقه وراح يتمعن في الصورة.
كانت المرأة في الصورة غريبة الجمال, تشع سحراً لا يمكن تفسيره سوى بسبب جمال عينيها ودقة أنفها وأناقة تسريحتها. كانت المرأة تبتسم بسعادة من دون أي تصنع أو تظاهر. اكتشف اللص سر سعادتها في جمالها وصحتها. كانت في منتصف العشرينات من عمرها, شقراء الشعر ويفتر فمها عن أسنان بيض مرصوصة لا شائبة فيها. ظل الرجل يتمعن في رسم المرأة حتى أنه نسي نفسه. منذ مدة طويلة لم تسحره امرأة مثل هذه, بل قل انه لم يسبق له أن وجد نفسه مسحوراً في هذا الشكل في سنينه الأربعين كلها. حياته كلها قضاها في جو من القباحة, فقد نام في السجن ست سنين لم يشعر خلالها بأية بهجة مصدرها جمال أو رقة أو نعومة. كما أن أمه (رحمها الله) كانت سليطة اللسان وبشرة يديها خشنة وموجعة حين كانت تصفعه, وكان وجهها نحيلاً وشفتاها مزمومتين لا تنفرجان إلا عن صراخ وعويل وشكوى. أما نفيسة التي ورطته بنفسها فتزوجها فقد كانت لئيمة وصاحبة مشكلات حتى انها طلقته وهو في السجن.
كان ثوب نوم المرأة الحرير مركوناً على السرير فقرَّبه منه وراح يتلمس نعومته وهو يتابع النظر الى الصورة. وجد نفسه يحلِّق في ملكوت من النعومة والسكون والجمال, ولكي يعيش اللحظة في شكل كامل أمسك بالثوب وراح يتشممه وهو يجمع نسيجه بيديه على وجهه بينما كانت امرأة الصورة تبتسم له. شعر بحنان طاغٍ فنسي بريق الذهب فنهض ودس الثوب والصورة وقارورة عطر نسائي لطيفة التصميم في حقيبته الصغيرة المعلقة على كتفه ثم خرج بالطريقة نفسها التي دخل بها.
شغلت المرأة ذهنه, بل قل انه أحبها. صار كل ليلة يطفئ النور المبهر ويترك مصباح الحمام مشعولاً (لم يكن يملك مصباحاً ليلياً) ثم يتمدد على سريره ويغرق في تلمس أشياء المرأة وشمّها والنظر اليها. في الواقع أصبح ينتظر الليل بفارغ الصبر لكي يعود الى طقسه. من وقتها أصبح أكثر ليونة وأكثر هدوءاً وصار يتلاطف مع أطفال العمارة ويمنحهم الفرنكات. ثم اشترى شريطاً لفيروز وأضاف أغانيها الى طقسه الليلي وأصبح كثير التنهد.
بعد مدة جد نفسه مدفوعاً الى الشارع الذي يقع فيه بيت المرأة والذي دخله ليسرقه. كان يريد أن يكحّل عينيه برؤية صاحبة الصورة وجهاً لوجه. تحمم وقص شعره وحلق ذقنه عند المزين “قصر الملوك” ثم ارتدى قميصاً نظيفاً ولمع حذاءه وانطلق. كان الشارع هادئاً في وضح النهار وليس مثل حارته التي بدأ يزهق من ضجيجها, أما البناية التي يقع في طابقها الثاني بيت المرأة فقد كانت أنيقة ونظيفة وذات ألوان محببة. صار يروح ويأتي أمام البناية ولكن الفرندة اياها ظلت مغلقة. لاحظ, بنظره القوي, انهم قد أصلحوا زجاج بابها. لم يشعر بأسف في داخله لأن اقتحامه بيت المرأة أتاح له تلك المشاعر التي بدأ يحس بها في نفسه. ثم انه لم يسرق “حبيبته” ولم يستول على مصاغها وكل ما فعله انه استعار منها ثوب نومها الحرير وصورتها وقارورة عطرها. وجد مكاناً ظليلاً يستطيع منه رؤية فرندة المرأة, فوقف فيه وراح ينتظر. كان كل شيء هادئاً ومسالماً يشبه الى حد بعيد السلام الذي كان يشعر به وهو يحتل كيانه. لو سأله أحد ما في تلك اللحظة عما به لقال انه عاشق, وان العشق جميل وان المرأة هي أجمل ما في الكون. إلا أن صوت محرك سيارة مقبلة من الخلف عكر عليه أحلامه, بخاصة حينما توقفت بطريقة رعناء, ونزل منها ثلاثة رجال يحملون المسدسات. حين ذلك استفاق ليجدهم يمسكون به بطريقة آلمته في شدة ثم أدخلوه برعونة في السيارة فتمزق قميصه. أجلسوه في الوسط ووضعوا يديه في الكلبشات وراح أحد الرجال يضغط على عنقه بقوة ثم انطلقت السيارة.
ارادوا اثناء التحقيق معه في قــسم الشرطة ان يشير الى المكان الذي خبأ فيه المجوهرات التي ادعت المرأة انها فقدتها تلك الليلة.